كتبت : حنان المطوع

يقال إن أحد العلماء قال ما غلبتني إلا امرأة كانت تحمل طبقاً مغطى فقد سألته ماذا يوجد في هذا الطبق فقالت ولماذا غطيناه إذن فكانت تلك الإجابة كفيلة بأن تربكه وتوقفه عند معنى أعمق من مجرد سؤال وجواب
ومن هنا ولدت في داخله حكمة لم يقلها على عجل بل خرجت منه كخلاصة عمر إن كل ما كان مستوراً لا ينبغي أن نبحث عن كشفه وأن ما اختار صاحبه أن يغطيه فليس من الحكمة أن نصر على فضحه أو اقتحام سره
فليس كل ما لا نراه نقصاً وليس كل ما خفي عنا يحتاج أن يكشف أحياناً يكون الستر نفسه رسالة احترام وأحياناً يكون الصمت هو الشكل الأجمل من الفهم وأحياناً أخرى يكون الجهل ببعض التفاصيل رحمة لا ندرك قيمتها إلا حين نتجاوزها
إننا حين ننشغل بمحاولة معرفة الوجه الآخر للناس نتعب قلوبنا ونفتح أبواب الظن ونظلم من لا نستحق ظلمه لأننا ببساطة لم نرض بما ظهر لنا واكتفينا منه بل أردنا أن نبحث عما لم يعرض أصلاً
ولو تأمل الإنسان لوجد أن كل شخص يحمل داخله ما لا يريد أن يراه أحد حتى هو نفسه فكيف لنا أن نتجرأ على ما ستره الناس عن عمد وكيف لنا أن نطالب بكشف ما اختاروا أن يخفوه حفاظاً على كرامتهم أو اتزانهم أو حتى ضعفهم
إن احترام خصوصية الآخرين ليس مجرد خلق عابر بل هو راحة للقلب وسلام للعقل وهو دليل نضج يجعل الإنسان مشغولاً بإصلاح نفسه بدل مطاردة ما لا يعنيه
فمن أراد الطمأنينة فليترك ما استر مستوراً ومن أراد الحكمة فليجعل نظره إلى داخله قبل أن يمده إلى عيوب الناس لأن الانشغال بعيوب الآخرين يطفئ نور البصيرة ويشغل القلب عن جوهره الحقيقي
وفي النهاية تبقى القاعدة الأبسط والأعمق في آن واحد أن نشتغل بعيوبنا ونترك ما للناس للناس وأن ندرك أن ما غطي ليس بالضرورة أن يكشف وأن الستر في كثير من الأحيان هو أجمل أشكال الرحمة والوعي






