كتبت : حنان المطوع

التغافل كلمة جميلة حين تقال، وأجمل منها حين تمارس بحكمة. كثيرون يظنون أن كل متغافل محب، وأن كل من تجاوز الأخطاء إنما يفعل ذلك حفاظاً على الود، لكن الحياة علمتنا أن للتغافل وجوهاً كثيرة، وأنه ليس دائماً ابن المحبة كما يظن الناس.
في البدايات نتغافل لأننا نحب. نرى الخطأ فنخفض أبصارنا عنه، ونسمع ما يؤلمنا فنؤجل الحديث عنه، ونمنح الأعذار قبل أن تطلب، لأننا نؤمن أن العلاقات أكبر من هفوة، وأن البشر لا يخلو أحد منهم من النقص. يكون التغافل حينها خلقاً راقياً، وجسراً تعبر عليه المودة كلما اعترضتها العقبات.
لكن مع مرور الوقت يتغير معنى التغافل شيئاً فشيئاً.
فقد يتغافل الإنسان حفاظاً على كرامته، لا حفاظاً على العلاقة. يدرك أن بعض النقاشات لا تصلح شيئاً، وأن بعض الحقائق حين تقال لا تسمع، وأن بعض الأشخاص لا يبحثون عن الفهم بقدر ما يبحثون عن الانتصار. فيختار الصمت، ليس ضعفاً، بل أحتراماً لنفسه.
وقد يتغافل ليبقي حسناته لنفسه، فلا يدخل في جدال يستنزف قلبه وأعصابه، ولا يفتح أبواباً يعلم مسبقاً أنها لن تفضي إلى نتيجة. يتغافل لأن طاقته أثمن من أن تهدر في معارك خاسرة، ولأن العمر أقصر من أن يستهلك في تكرار الكلام ذاته.
وأحياناً يكون التغافل نتيجة قلة الحيلة. ليس لأن الإنسان لم ير ما حدث، بل لأنه رآه بوضوح مؤلم. وليس لأنه لم يفهم، بل لأنه فهم أكثر مما ينبغي. لكنه وصل إلى مرحلة يعلم فيها أن الحوار فقد قيمته، وأن العتاب لم يعد يجد أذناً تسمعه أو قلباً يستقبله.
هناك تغافل يولد من خيبة الأمل، حين يكتشف المرء أن الصورة التي رسمها للآخرين كانت أجمل من حقيقتهم. وهناك تغافل يأتي بعد محاولات كثيرة، وبعد عتاب طويل، وبعد فرص متكررة منحت بسخاء ثم ضاعت كلها. عندها لا يعود الصمت اختياراً موقتاً، بل يصبح حالة من اليأس الهادئ.
والأصعب من ذلك كله، ذلك التغافل الذي يأتي بعد سقوط شخص من القلب. حينها لا يعود الإنسان يبحث عن تفسير، ولا ينتظر اعتذاراً، ولا يفكر حتى في المواجهة. يصبح الخطأ الذي كان يهزه يوماً أمراً عادياً لا يستحق الالتفات. ليس لأن الجرح صغر، بل لأن المكان الذي كان يحتله صاحبه في القلب لم يعد موجوداً.
كثير من الناس يظنون أن التغافل علامة رضا، بينما هو أحياناً علامة تعب. ويظنون أن الصمت موافقة، بينما قد يكون استسلاماً. ويظنون أن عدم العتاب دليل أن الأمور بخير، بينما الحقيقة أن بعض العلاقات تموت يوم يتوقف فيها العتاب، لأن العتاب في جوهره اهتمام، فإذا انطفأ الاهتمام لم يبق ما يقال.
لذلك ليس كل التغافل لإبقاء الود، فبعضه لإبقاء الكرامة، وبعضه لإبقاء التقدير، وبعضه لإبقاء ماء الوجه، وبعضه لإبقاء ما تبقى من طاقة الروح. فالإنسان لا يتغافل دائماً لأنه لا يرى، بل لأنه رأى أكثر مما يحتمل. ولا يصمت دائماً لأنه لا يملك الكلمات، بل لأنه أدرك أن الكلمات لم تعد تملك أثراً.
ويبقى السؤال الذي يرافق كل متغافل: إلى أين نمضي بهذا الصمت الطويل؟ والحقيقة أن التغافل جميل ما دام يحفظ العلاقات، لكنه يصبح مؤلماً حين يتحول إلى مقبرة صغيرة ندفن فيها مشاعرنا واحدة تلو الأخرى. فليس الخطر أن نتغافل كثيراً، بل أن نستيقظ يوماً لنجد أن
لم نعد نشعر بشيء تجاه ما كنا نحارب من أجله بالأمس.
نحن لا نتوقف عن العتاب عندما نتوقف عن الشعور، بل نتوقف عن العتاب عندما نتعب من إعادة الشعور نفسه في كل مرة. عندها يصبح التغافل ليس ستراً للخطأ، بل ستراً لما تبقى في القلب من كرامة.






