قربت البعيد… وأبعدت القريب

كتبت : حنان المطوع

لم يحدث هذا في يوم واحد.

لم نستيقظ ذات صباح فنقرر أن نتوقف عن الحديث مع بعضنا، ولم يقل أحد منا: من اليوم سأجلس إلى جوار من أحب، لكنني سأمنح انتباهي لشخص آخر يبعد عني مئات الكيلومترات.

حدث الأمر بهدوء شديد.

دخل الهاتف إلى أيدينا صغيراً، ثم كبر دوره في حياتنا حتى أصبح أحياناً أكبر من الأشخاص الجالسين أمامنا.

والغريب أن التكنولوجيا جاءت في الأصل لتحل مشكلة المسافات.

أصبحنا نرى من يعيش في بلد آخر، ونسمع صوته في اللحظة نفسها، ونعرف أخباره، ونشاركه صوره وأفراحه وأيامه. اختفت الحدود أمام شاشة صغيرة، وأصبح البعيد قريباً إلى درجة مدهشة.

لكننا لم ننتبه إلى شيء آخر كان يحدث في الجهة المقابلة.

بينما كان البعيد يقترب… كان القريب يبتعد.

تأملت يوماً مشهداً أصبح عادياً في بيوت كثيرة.

عائلة كاملة تجلس في غرفة واحدة.

الأب في مكانه، والأم إلى جواره، والأبناء والأحفاد حولهما. ظاهرياً تبدو الصورة مكتملة؛ الجميع موجود.

لكن الحقيقة أن كل واحد منهم كان في مكان آخر.

هذا يكتب لشخص بعيد، وذاك يشاهد مقطعاً، وآخر يتابع أخبار أشخاص ربما لم يقابلهم في حياته، ورابع يضحك مع أصدقاء خلف الشاشة.

وفي وسط كل ذلك، يجلس الأب والأم بصمت.

ربما يريد الأب أن يحكي قصة سمعناها منه عشر مرات، فنقول في أنفسنا: نعرفها.

وربما تريد الأم أن تسأل سؤالًا بسيطاً، فنجيبها ونحن ننظر إلى الهاتف، أو نقول: بعد قليل.

وذلك الـ«بعد قليل» قد يمتد طويلًا.

نطمئن على إنسان يعيش في آخر الدنيا، ونسأل صديقاً ماذا تناول في غدائه، ونعرف أين سافر فلان وماذا اشترت فلانة، بينما قد تمر ساعات ولا نسأل من يجلس أمامنا: كيف كان يومك؟

ليست المشكلة في الهاتف.

ولا في وسائل التواصل.

فهي من أجمل ما صنعه الإنسان عندما نستخدمها لتصل ما انقطع، ونطمئن بها على غائب، ونتعلم منها، ونرى من نحب عندما تحول بيننا وبينه المسافات.

المشكلة تبدأ عندما يصبح الاتصال بالعالم كله على حساب اتصالنا بمن يعيش معنا.

والمؤلم أكثر أن الوالدين لا يظلان في ذلك المقعد إلى الأبد.

نحن نعرف هذه الحقيقة، لكننا نعيش أحياناً وكأن لدينا معهم وقتاً لا ينتهي.

نؤجل الجلسة.

نؤجل الحديث.

نؤجل السؤال.

نؤجل الزيارة.

نقول غداً، وفي الأسبوع القادم، وعندما ننتهي من العمل، وعندما تخف مشاغلنا.

لكن بعض الأشياء في الحياة لا تنتظر حتى ننتهي من مشاغلنا.

وسيأتي يوم قد ندخل فيه البيت، فنجد المقعد نفسه…

لكن صاحبه ليس هناك.

عندها يصبح الهاتف الذي كان يأخذ منا الساعات عاجزاً عن منحنا دقيقة واحدة.

سنبحث في الصور عن وجه أبي.

ونفتح التسجيلات القديمة لعلنا نعثر على صوت أمنا.

سنكبر الصورة بأصابعنا، ونتأمل ملامحهما، وربما نتمنى لو يعود ذلك اليوم العادي جداً الذي جلسا فيه أمامنا ونحن منشغلون عنهما.

سنقول: ليتني تركت الهاتف وجلست.

ليتني سمعت الحكاية للمرة الحادية عشرة.

ليتني سألت أكثر.

ليتني ضحكت معهما أكثر.

ليتني قلت لهما وأنا أستطيع: أحبكما.

لكن بعض أنواع الندم تأتي متأخرة إلى درجة أن كلمة «ليت» لا تستطيع إصلاح شيء.

التكنولوجيا لم تسرق منا أهلنا.

نحن الذين يجب أن نعرف متى نضعها جانباً.

فليس المطلوب أن نغادر هذا العالم الجديد، بل ألا نخسر عالمنا الحقيقي ونحن منشغلون به.

اتصل بالبعيد.

اطمئن على الصديق.

شاهد، واقرأ، واكتب، واستمتع بكل ما منحته لنا التكنولوجيا.

لكن عندما تجلس أمام أبيك أو أمك…

ارفع رأسك من الشاشة.

انظر إليهما جيداً.

اسمع الحكاية حتى لو كنت تحفظ نهايتها.

واسألهما عن أشياء ربما تعتقد أنها صغيرة، لأنك في يوم ما قد تكتشف أنها كانت أكبر الأشياء.

فالرسائل القديمة يمكن أن نعود إليها، والصور يمكن أن نحفظها، والحسابات يمكن أن تبقى سنوات طويلة…

أما بعض الأصوات، فإذا سكتت، فلن يأتي إشعار جديد يخبرنا أنها عادت

  • Related Posts

    المعركة الصامتة داخل الإنسان

    كتبت : حنان المطوع من الغريب أن الإنسان يقضي عمره وهو يبحث عن عدوٍ خارجي يعلق عليه أخطاء العالم بينما أكثر المعارك ضجيجاً تدور بصمت داخله نحن نخاف من الأشخاص…

    Read more

    Continue reading
    الهلهولة… صوت الفرح الذي عبر آلاف السنين

    كتبت : حنان المطوع في كل عرس تقريباً هناك لحظة لا تحتاج إلى موسيقى ولا إلى كلمات. فجأة تنطلق (زغرودة، هلهولة، زغروطة، يويو )من بين النساء، فتتبعها أخرى، وكأن الفرح…

    Read more

    Continue reading

    You Missed

    «إنت ودماغك».. الكوميديا تلتقي بالمسرح على خشبة الهوسابير اليوم.

    «إنت ودماغك».. الكوميديا تلتقي بالمسرح على خشبة الهوسابير اليوم.

    المعركة الصامتة داخل الإنسان

    المعركة الصامتة داخل الإنسان

    الهلهولة… صوت الفرح الذي عبر آلاف السنين

    الهلهولة… صوت الفرح الذي عبر آلاف السنين

    بيان من شركة مياه الشرب بالقاهرة عن انقطاع المياه بمناطق داخل القاهرة تعرف عليها

    بيان من شركة مياه الشرب بالقاهرة عن انقطاع المياه بمناطق داخل القاهرة تعرف عليها

    بيوت من طين… بناها طائر

    بيوت من طين… بناها طائر

    الزمن لا يغير أحداً… بل يكشفه

    الزمن لا يغير أحداً… بل يكشفه