الست لما… خرجت من السينما بفكرة لم أدخل بها

ذهبت بالأمس إلى السينما لأشاهد فيلم «الست لما».
كنت قد سمعت عنه كثيراً، لكن السبب الحقيقي الذي دفعني إلى الدخول كان أبسط من كل ذلك: أنا أحب الفنانة يسرا، وأردت أن أراها.
دخلت وأنا أتوقع فيلماً جميلاً أقضي معه ساعتين وأخرج.
لكنني خرجت بشيء آخر تماماً.
خرجت بفكرة.
بل ربما بنظرية صغيرة ستبقى معي طويلاً.
بدأ الفيلم بخفة وكوميديا جعلتنا نضحك، وكانت المشاهد الأولى توحي بأننا أمام عمل اجتماعي لطيف، يأخذ بعض مشكلات النساء ويقدمها بصورة ساخرة وخفيفة.
لكن كلما توغلنا في الحكاية، بدأ الضحك يتراجع قليلاً، وبدأت القصص الحقيقية تظهر.
واكتشفنا أن وراء كل تصرف قصة لم نكن نعرفها، لكن في البداية بدأ لنا غريباً أو مبالغاً فيه،
وراء الغضب ألم.
وراء الرفض تجربة.
وراء التصرف الذي قد نحكم عليه بسرعة، حكاية كاملة سبقت اللحظة التي رأيناها.
وهنا بدأ الفيلم بالنسبة لي يتغير.
لم أعد أشاهد الشخصيات فقط.
بدأت أشاهد نفسي، وأشاهدنا نحن البشر حين نحكم على بعضنا.
كم مرة رأينا إنساناً في موقف واحد، فقررنا من يكون؟
هذه عصبية.
وهذه مخطئة.
وهذا قاسٍ.
وهذه متهورة.
وهذا لا يحب النساء.
ثم نضع الحكم ونغلق الملف.
لكن ماذا لو عرفنا ما حدث قبل تلك اللحظة؟
ماذا لو رأينا السنوات التي سبقتها؟
ماذا لو عرفنا الجرح الذي لم يخبرنا به صاحبه؟
ربما تغير الحكم كله.
بعد الفيلم جلست أناقشه مع أستاذي الدكتور محمد هاشم، وهنا دخلت في متاهة أجمل من الفيلم نفسه.
بدأ يسألني: لماذا حكمت على هذه الشخصية بهذه الطريقة؟
وعلى أي أساس قررت انه ضد النساء؟
وهل كنت سأقول الشيء نفسه لو كنت أعرف قصتها كاملة منذ البداية؟
وهنا وضعني في زاوية من الاستغراب والتأمل والاستفهام والتفكير.
وبدأنا نعيد بعض المشاهد، لا بأعيننا هذه المرة، بل بعقولنا.
ومن أكثر المشاهد التي جعلتني أتوقف، موقف رئيس التحرير الذي كان يرى أن المرأة قد تكون سبباً فيما تتعرض له من تحرش، بسبب لباسها أو تصرفاتها.
بصراحة، حكمت عليه سريعاً بأنه ضد المرأة.
وضعت صورته في خانة الحاقد والمتعقد من المراءه وانتهى الأمر.
ثم جاءت اللحظة التي تعرضت فيها زوجته، المرأة المحجبة، للتحرش وهي راجعه من البقاله.
وهنا انهارت الفكرة أمامه.
لم تعد القضية لباساً.
ولم تعد القضية شكل المرأة.
أصبح الألم داخل بيته.
وأصبح الذي كان يحكم على الآخرين مضطراً أن ينظر إلى القضية من زاوية لم يجربها من قبل.
ثم تأتي مفارقة أخرى شديدة القوة.
المرأة التي انتشر لها فيديو وهي ترقص لزوجها، والتي تعرضت بسببه للتشهير والإدانة، وكان رئيس التحرير نفسه واحداً ممن ساهموا في فضحها ونشر الفيديو والحكم عليها من خلال تلك اللقطة وحدها، هي نفسها التي مدت يدها في لحظة أخرى لإنقاذ امرأته.
في هذه الحظة شعرت أن الفيلم يقول لنا شيئاً أكبر بكثير من ظاهر الحكاية:
لا تختصروا الإنسان في مشهد.
فقد ترى منه دقيقة، بينما خلف هذه الدقيقة عمر كامل.
قد ترى خطأه ولا تعرف خوفه.
قد ترى غضبه ولا تعرف جرحه.
وقد ترى تصرفاً لا يعجبك، ثم تأتي الحياة لتضعك يوماً في الظروف نفسها، فتكتشف أن الحكم من الخارج أسهل كثيراً من العيش في الداخل.
وهنا تكونت عندي فكرة لم أخرج بها من أي فيلم من قبل:
لكل فعل قصة تسبقه، ولكل موقف زاوية أخرى لم نرها بعد.
وهذا لا يعني أن نبرر كل خطأ.
ولا أن نجعل لكل إساءة عذراً.
فالخطأ يبقى خطأ، والجريمة تبقى جريمة.
لكن هناك فرقاً بين أن نفهم السبب، وبين أن نبرر النتيجة.
الفهم يجعل حكمنا أكثر عدلاً.
يجعلنا نتريث قبل أن نرفع أصابع الاتهام.
يجعلنا نسأل قبل أن ندين:
ماذا حدث؟
ماذا عاش هذا الإنسان؟
ولماذا وصل إلى هنا؟
وهذا هو أكثر ما أعجبني في الفيلم.
لم يقدم النساء ملائكة، ولم يقدم الرجال شياطين.
بل وضع مجموعة من البشر أمامنا، لكل واحد منهم موقفه وتجربته وضعفه وتناقضاته.
وشيئاً فشيئاً اكتشفنا أن الحقيقة لا تسكن دائماً في أول مشهد نراه.
وقد قالت يسرا عن فكرة «الفيتو» في الفيلم إن هناك لحظة ينبغي أن تقول فيها المرأة «لا»، مع التأكيد على أن المقصود ليس إدانة جميع الرجال، وإنما رفض المعاملة الخاطئة.
وهذه النقطة بالذات جعلتني أشعر أن الفيلم يحاول أن يفتح باباً للنقاش، أكثر من رغبته في إصدار الأحكام.
أما بالنسبة لي، فقد خرجت منه بدرس مختلف قليلاً.
أصبحت أفكر: كم من إنسان حكمنا عليه من لقطة واحدة؟
وكم علاقة خسرناها لأننا لم نسأل عن بقية الحكاية؟
وكم موقفاً رأينا نصفه، وبنينا على النصف حكماً كاملاً؟
الفيلم كان بالنسبة لي أكثر من فيلم عن المرأة أو التحرش أو العلاقات.
كان فيلماً عن الحكم على البشر.
دخلت السينما لأنني أحب يسرا.
ضحكت في البداية.
تألمت في المنتصف.
ثم خرجت في النهاية وأنا أفكر.
وهذا بالنسبة لي هو أجمل ما يمكن أن يفعله الفن.
أن تدخل إليه مشاهداً…
وتخرج منه وأنت ترى الناس بطريقة مختلفة.
اريد ان أوجه رساله للممثله العظيمه يسرا انتي رائعه ومتألقه وانا مع كلام المذيعه المتألقه لميس الحديدي عندما قالت عنك الكلام الجميل في لقائها معك.






