كتبت : حنان المطوع

مررت في حياتي بمواقف كثيرة جعلتني أفهم أن بعض الناس لا يحاولون التقليل منك لأنك أقل منهم، بل أحياناً لأن نجاحك يزعجهم.
في البداية كنت أبحث عن السبب في نفسي.
هل أخطأت؟
هل بالغت؟
هل كان يجب أن أكون أقل حضوراً، أقل وضوحاً، أقل نجاحاً؟
ثم تعلمت مع الوقت أن الإنسان الواثق لا يحتاج إلى أن يصغر غيره حتى يشعر بقيمته.
وأن بعض محاولات التقليل منك لا تكون حكماً عليك بقدر ما تكون انعكاساً لما يشعر به الطرف الآخر تجاه نفسه.
شاهدت قبل أيام برنامجاً كان يتحدث فيه الإعلامي محمد هاشم عن هذا النوع من الأشخاص، فتوقفت عند الكلام لأنني تذكرت مواقف مررت بها بالفعل.
هناك أشخاص إذا رأوك ناجحاً، بدل أن يسألوا أنفسهم: كيف أتقدم أنا أيضاً؟ يبدأون في البحث عن شيء ينقص من صورتك.
إذا نجحت قالوا: الحظ ساعده.
إذا وصلت قالوا: الطريق كان سهلًا.
إذا مدحك الناس قالوا: لا يستحق كل هذا.
وإذا لم يجدوا عيباً، صنعوا واحدًا.
وهنا تكمن المفارقة.
فالنجاح الذي تراه أنت نتيجة تعب وصبر ومحاولات كثيرة، قد يراه غيرك مرآة تعكس أمامه ما لم يفعله هو.
أنت ترى سنوات من الجهد.
وهو يرى نتيجة تزعجه.
أنت تتذكر عدد المرات التي سقطت فيها ثم وقفت.
وهو لا يرى إلا اللحظة التي أصبحت فيها واقفاً.
ولهذا قد يبدأ التقليل.
ليس لأنك قليل.
بل لأن وجودك بهذا الشكل أصبح يضغط على نقطة حساسة داخله.
والغريب أن بعض الناس لا يزعجهم أن تكون بخير.
لكن يزعجهم أن تكون أفضل مما توقعوا.
قد يقبلون بك ما دمت قريباً من مستواهم.
لكن ما إن تتقدم خطوة، حتى تتغير الكلمات والنظرات والتعليقات.
وهنا يبدأ الاختبار الحقيقي.
هل ستدخل معهم في كل معركة؟
هل سترد على كل كلمة؟
هل ستشرح نفسك لكل من أراد أن يفهمك خطأ؟
أم ستصل إلى مرحلة تعرف فيها أن بعض الصمت ليس ضعفاً، بل قوة؟
أنا أصبحت أؤمن أن السكون النفسي أحياناً أجمل رد.
والابتسامة ليست دائماً بساطة أو تجاهلًا.
أحياناً تكون الابتسامة ابنة الثقة.
حين تعرف من أنت.
وحين تعرف ماذا صنعت.
وحين تكون متأكداً من الطريق الذي مشيته، لا تعود محتاجاً إلى إقناع كل شخص بما وصلت إليه.
فبعض الناس مهما شرحت لهم لن يقتنعوا.
لأن المشكلة ليست في الشرح.
المشكلة في أنهم لا يريدون أن يروا.
وهنا نتعلم شيئاً مهماً جداً:
ليس كل ناقد حاقداً.
وليس كل من خالفنا ناقصاً.
النقد الصادق مهم، وقد يكون أحياناً سبباً في أن نصبح أفضل.
لكن هناك فرقاً واضحاً بين من ينتقدك ليضيف لك، ومن يقلل منك ليشعر هو بأنه أكبر.
الأول يحترمك حتى وهو يعارضك.
أما الثاني، فيحتاج أن يصغرك حتى يرتاح.
وهذا الفرق لا يظهر بالكلمات فقط.
يظهر في النبرة.
في التوقيت.
في الفرحة الغائبة حين تنجح.
وفي الحضور السريع حين تتعثر.
يظهر في الشخص الذي يتذكر كل أخطائك وينسى كل إنجازاتك.
وفي الذي لا يكتفي بأن يكون له مكان، بل يزعجه أن يكون لك مكان أيضاً.
ومن هنا فهمت أن النجاح لا يحتاج دائماً إلى صوت مرتفع.
أحياناً أقوى نجاح هو أن تستمر.
أن تترك من يريد أن يتكلم يتكلم.
أن لا تسمح لكلمة عابرة أن تهز سنوات من التعب.
وأن تعرف أن الرد الحقيقي ليس جملة تقولها.
الرد الحقيقي أن تكمل.
أن تنجح أكثر.
أن تصبح أكثر هدوءاً.
أكثر ثباتاً.
وأقل حاجة للدخول في معارك لا تضيف إليك شيئاً.
هناك من يحاول أن يرفع نفسه بالبناء.
وهناك من يحاول أن يرفع نفسه بهدم الآخرين.
الأول يتقدم فعلًا.
أما الثاني فيظل مكانه، لكنه يتعب وهو يراقب من سبقوه.
لذلك إذا شعرت يوماً أن شخصاً يحاول أن يقلل منك كلما تقدمت، فلا تجعل أول سؤال في رأسك:
ماذا ينقصني؟
اسأل أحياناً:
ما الذي أزعجه في نجاحي؟
ولا تجعل هذا السؤال غروراً.
اجعله وعياً.
فالثقة الحقيقية لا تقول: أنا أفضل من الجميع.
بل تقول: أنا أعرف قيمتي، ولن أسمح لأحد أن يحددها نيابة عني.
ومع الوقت يتغير الإنسان.
يتكلم أقل.
يشرح أقل.
ويبتسم أكثر.
ليس لأنه لم يعد يشعر.
بل لأنه أصبح يعرف أين يضع طاقته.
فالإنسان حين يصل إلى سلام حقيقي مع نفسه، لا يعود محتاجاً إلى الانتصار في كل نقاش.
ولا إلى الدفاع عن نفسه أمام كل شخص.
يكفيه أن يمشي في طريقه.
فالضوء لا يقف كل يوم ليشرح للظلام لماذا هو مضيء.
هو فقط يضيء.
ومن أراد أن يغلق عينيه…
فذلك شأنه





