كتبت : حنان المطوع .

هل حقا الزمن يغير الناس؟
أم أننا فقط نكتشفهم مع مرور الأيام بصورة أوضح؟
نحن نحب أن نرجع كل التحولات إلى الزمن، وكأنه قوة غامضة تعيد تشكيل البشر، تغير قلوبهم، وتبدل طباعهم. لكن، هل الزمن يملك هذه السلطة فعلًا؟ أم أنه مجرد مرآة كبيرة، تضع أمامنا الحقيقة بلا تجميل؟
في البداية، نرى الناس بعيون مغمضة قليلًا، بقلوب تميل إلى الثقة، وبنظرة تتمنى الخير دائمًا. نمنحهم مساحة من الطمأنينة، ونبني داخلنا صورة قد لا تكون كاملة. ثم يمرّ الوقت… وتبدأ التفاصيل الصغيرة بالظهور، تلك التي لم نكن نلتفت لها من قبل.
وهنا يظهر السؤال الحقيقي:
هل تغيّر هذا الشخص؟ أم أنه كان هكذا منذ البداية، لكن الزمن فقط أزاح الستار عنه؟
الزمن لا يزرع في القلوب ما ليس فيها، بل يكشف ما كان مخفيًا تحت طبقات المجاملات والظروف. فالكريم يبقى كريمًا، والوفي لا يتغيّر، كما أن القاسي لا يتحوّل فجأة إلى ناعم، بل فقط نراه كما هو دون أقنعة.
أليس غريبًا أننا نحتاج وقتًا طويلًا لنفهم من حولنا؟
أم أن القلوب لا تُقرأ إلا حين تختبرها الأيام؟
ومع ذلك، لا يخلو الأمر من لحظات مؤلمة… حين نكتشف أن الصورة التي أحببناها لم تكن كاملة، وأن بعض القلوب كانت تجيد التمثيل أكثر مما تجيد الصدق. لكن حتى هذا الاكتشاف، هو رحمة خفية، لأن الوضوح – مهما كان قاسيًا – أرحم من الوهم الجميل.
وفي زاوية أخرى من الحياة، هناك من يزداد جمالًا مع الزمن، لا لأن الزمن غيّره، بل لأنه كشف صدقه، وعمّق وفاءه، وأظهر نقاءه الحقيقي. هؤلاء لا يحتاجون دفاعًا، لأن أفعالهم تتكلم عنهم بصمت واضح.
فهل الزمن عدو؟ أم شاهد؟
ربما هو الشاهد الأصدق، الذي لا يجامل أحدًا، ولا يظلم أحدًا، فقط يتركنا نرى الحقيقة كما هي، دون رتوش.
وفي نهاية المطاف…
نحن لا نخسر الناس مع الزمن، بل نخسر الوهم الذي صنعناه عنهم.
ونربح شيئًا أثمن: وضوحًا يجعلنا نحب بوعي، ونبتعد بسلام، ونفهم أن القلوب لا تتغيّر… بل تنكشف.






