كتبت : حنان المطوع

لا يرحل الناس جميعاً بالطريقة نفسها.فمنهم من يغيب بجسده، لكنه يظل حاضراً في كل زاوية من الذاكرة. ومنهم من يبقى قريباً، لكنه يرحل من القلب قبل أن يبتعد بخطوة واحدة.الغريب في الذكريات أنها لا تستأذننا. قد تعيد إلينا ضحكة سمعناها منذ سنوات، أو مكاناً مررنا به صدفة، أو أغنية كانت يوماً عنواناً لمرحلة كاملة من العمر. وفجأة نجد أنفسنا نعيش لحظات ظننا أنها انتهت إلى الأبد.هناك أشخاص مروا في حياتنا كالفصول؛ لكل واحد منهم أثر، ولكل لقاء حكاية، ولكل وداع درس. بعضهم علمنا معنى الوفاء، وبعضهم كشف لنا حقيقة البشر، وبعضهم ترك في أرواحنا جرحاً احتاج سنوات حتى يلتئم. لكن، مهما اختلفت أدوارهم، فقد أصبحوا جزءاً من قصة حياتنا.ليست المشكلة في أن الناس يرحلون، فهذه سنة الحياة. المشكلة حين نظن أن وجودهم دائم، فنؤجل كلمة شكر، أو نؤخر اعتذاراً، أو نبخل بلحظة دفء كان يمكن أن تصبح أجمل ذكرى.ومع مرور الأيام ندرك أن العمر لا يقاس بعدد السنوات، بل بعدد الذكريات التي صنعتها القلوب الصادقة. فالبيوت قد تتغير، والمدن قد تتبدل، والوجوه قد يغطيها الشيب، لكن الذكريات الجميلة تظل قادرة على أن تمنحنا ابتسامة، حتى بعد غياب أصحابها.لهذا، لا تحزن لأن بعضهم رحل، بل احمد الله لأنهم كانوا يوماً جزءاً من رحلتك. فليس كل من يغادر يأخذ معه كل شيء… أحياناً يترك أجمل ما يملك، ذكرى طيبة، ودعاءً صادقاً،و أثراً لا تمحوه الأيام.ثم رحل البعض… وبقيت الذكريات، لا يؤلمنا رحيل الناس بقدر ما يؤلمنا صمت الأماكن بعدهم. لكن الحقيقة الأجمل أن الذكريات لا تعيش لأن الزمن احتفظ بها، بل لأن أصحابها تركوا في قلوبنا شيئاً يستحق البقاء. فالإنسان لا يخلده العمر، ولا المكان، ولا حتى الصور… بل يخلده الأثر الطيب الذي يتركه في أرواح الآخرين. وكل شيء يرحل مع الأيام… إلا الأثر الجميل، فإنه يبقى، وكأنه لم يعرف الرحيل يوماً.





