حين يتحول الأحباب إلى غرباء

كتبت : حنان المطوع

كنت أقلب صفحات كتاب، فتوقفت أمام عبارة قصيرة لم أستطع أن أتجاوزها:

«وإن تمنيتم شيئاً… تمنوا ألا يتحول أحبابكم إلى غرباء.»

أغلقت الكتاب للحظة.
فبعض الكلمات لا نقرأها بأعيننا، بل نقرأها بما عشناه.
فكرت: ما أصعب الغربة حين لا تأتي من شخص غريب، بل من إنسان كان يوماً يعرف عنك ما لا يعرفه الآخرون. يعرف متى تضحك وأنت حزين، ويفهم صمتك قبل كلامك، ويحفظ الأشياء الصغيرة التي تحبها، وربما كان أول من تذهب إليه حين تضيق بك الدنيا.

ثم تمر الأيام…

ويحدث شيء لا نفهم متى بدأ بالضبط. تقل الأحاديث، تصبح الرسائل أقصر، تختفي الأسئلة الصغيرة، وتتسع المسافة بهدوء. لا خصام كبير يستحق أن نتذكر تاريخه، ولا باب أغلق بصوت مرتفع، وإنما برودة تتسلل إلى العلاقة نقطة بعد نقطة، حتى تستيقظ ذات يوم لتكتشف أن الإنسان الذي كنت تحكي له كل شيء، لم يعد يعرف عنك شيئاً. والأغرب أنك قد تراه.
تسلم عليه. تبتسم له. وتتبادلان كلمات مهذبة جداً، بينما في داخلك ذاكرة كاملة تصرخ:
كيف وصلنا إلى هنا؟
كيف أصبحنا نتحدث بحذر بعدما كنا نتحدث بلا تفكير؟ كيف صارت الكلمات محسوبة بعدما كانت القلوب مفتوحة؟ وكيف أصبح السؤال: «كيف حالك؟» مجرد مجاملة بين شخصين كان أحدهما يعرف حال الآخر من نبرة صوته؟
الغريب الحقيقي ليس دائماً من لم نعرفه. أحياناً الغريب هو من عرفناه أكثر مما ينبغي، ثم أصبحنا لا نعرفه على الإطلاق. ولعل أكثر ما يؤلم في تحول الأحباب إلى غرباء أن الذكريات لا تتحول معهم. تبقى الأماكن كما هي، والصور كما هي، والمواقف الصغيرة عالقة في الذاكرة، وربما بقيت ضحكة قديمة قادرة بعد سنوات على أن تعيد إلينا زمناً كاملًا.

نحن لا نحزن فقط على إنسان ابتعد. نحزن على نسخة قديمة منا كانت موجودة معه. على أيام لن تعود. وعلى كلام كثير كنا نظن أننا سنظل نقوله طوال العمر.

لكن الحياة علمتني أيضًا أن بعض العلاقات لا تنتهي لأن أحد الطرفين سيئ، ولا لأن المحبة كانت كاذبة. أحياناً يتغير الناس، وتتغير الظروف، وتختلف الطرق، ويأخذ كل إنسان معه جزءًا من الحكاية ويمضي.

لذلك أصبحت أفهم تلك العبارة أكثر:
«وإن تمنيتم شيئاً… تمنوا ألا يتحول أحبابكم إلى غرباء.»

لأن خسارة الغريب قد تؤلمك مرة…أما خسارة الحبيب إلى الغربة، فتجعلك تخسره مرتين:
مرة حين يبتعد عنك، ومرة كلما تذكرت كم كان قريباً.

  • Related Posts

    دعاء وعل تستعيد حضورها الفني بـ«عالدلعونا» بعد أزمتها الصحية

    تعود الفنانة الأردنية دعاء وعل إلى المشهد الفني من جديد، حاملةً معها مشاعر الحب والحنين في أغنيتها الجديدة «عالدلعونا»، وذلك بعد فترة من الغياب فرضتها وعكة صحية تعرّضت خلالها لغيبوبة،…

    Read more

    Continue reading
    جبر الخواطر : عباده خفيه لا تحتاج سجادة بل قلباً رحيماً ولساناً ليناً

    كتبت : حنان المطوع ليست كل العبادات تؤدى في صمت المساجد، ولا كل القربات تحتاج هيئةً معلنة… هناك عبادات خفية، تمضي بين الناس بهدوء، لا يلتفت لها الكثيرون، لكنها عند…

    Read more

    Continue reading

    You Missed

    دعاء وعل تستعيد حضورها الفني بـ«عالدلعونا» بعد أزمتها الصحية

    دعاء وعل تستعيد حضورها الفني بـ«عالدلعونا» بعد أزمتها الصحية

    جبر الخواطر : عباده خفيه لا تحتاج سجادة بل قلباً رحيماً ولساناً ليناً

    جبر الخواطر : عباده خفيه لا تحتاج سجادة بل قلباً رحيماً ولساناً ليناً

    من مسقط إلى ويندسور… حين يتحدث التاريخ بلغة الملوك

    من مسقط إلى ويندسور… حين يتحدث التاريخ بلغة الملوك

    قرعة نارية لكأس مصر 2026-2027.. الأهلي والزمالك على طريق المنافسة وبيراميدز يسعى للحفاظ على اللقب

    قرعة نارية لكأس مصر 2026-2027.. الأهلي والزمالك على طريق المنافسة وبيراميدز يسعى للحفاظ على اللقب

    «مياه القاهرة» تقود تحالفًا مجتمعيًا لترسيخ ثقافة ترشيد الاستهلاك للمياه

    «مياه القاهرة» تقود تحالفًا مجتمعيًا لترسيخ ثقافة ترشيد الاستهلاك للمياه

    أبو قرن الكبير… حين يصبح الحب نافذة في جذع شجرة

    أبو قرن الكبير… حين يصبح الحب نافذة في جذع شجرة