كتبت : حنان المطوع

ليست كل العبادات تؤدى في صمت المساجد، ولا كل القربات تحتاج هيئةً معلنة… هناك عبادات خفية، تمضي بين الناس بهدوء، لا يلتفت لها الكثيرون، لكنها عند الله عظيمة الأثر، عميقة الامتداد. من بين هذه المعاني الرفيعة يولد “جبر الخواطر”، كفعل إنساني نقي، يمر بسيطاً على اللسان، لكنه يترك في القلب أثراً لا ينسى.كم من إنسان كان على حافة الانطفاء، لا ينتظر معجزة، بل ينتظر كلمة… كلمة واحدة تعيد له توازنه، تهمس له بأن الحياة ما زالت تتسع له، وأنه ليس وحده في هذا الزحام البارد. تلك الكلمة التي قد تمر على قائلها مرور العابر، لكنها تعيد ترتيب الفوضى في قلبٍ آخر، وتمنحه سبباً صغيراً للاستمرار.
بعض الكلمات لا تكتب بالحبر، بل تكتب بنبض القلب، ولذلك لا تقرؤها العيون وحدها، بل تشعر بها الأرواح.جبر الخواطر لا يصلح العالم بكل ما فيه من تعقيد وقسوة، لكنه يرمم شيئاً أهم… يصلح الشروخ الخفية داخل الأرواح. تلك الشروخ التي لا يراها أحد، لكنها ترهق صاحبها بصمت. هو البلسم الذي لا يوصف، لكنه يشعر، واليد التي لا ترى، لكنها تمسك بقلبٍ كاد أن يسقط.وفي زمنٍ أصبحت فيه الكلمات قاسية وسريعة، يظل اللين عملة نادرة، لا يملكها إلا من اختار أن يكون إنساناً قبل أي شيء آخر.
أن تجبر خاطر أحدهم، يعني أنك انتبهت لألمه دون أن يطلب، وشعرت بثقله دون أن يشتكي، ومددت له دفئك دون مقابل. وهذه، في حقيقتها، واحدة من أرقى صور العطاء.هو صدقة… لكنها ليست من مال، بل من روح. لا تنقص منك شيئاً، لكنها تزرع في داخلك نوراً خفياً، ورضاً لا يشترى.
وكلما أعطيت منها، شعرت بأنك أنت أيضاً تجبر من حيث لا تدري، وكأن القلوب حين تداوي غيرها، تشفى معها.ربما لن تتذكر كل ما قلته في حياتك، لكن هناك قلوباً ستتذكرك لأنك كنت لطيفاً حين كان العالم قاسياً عليها. لأنك اخترت أن تكون ملجأً عابراً، لا عبئاً إضافياً. لأنك جبرت خاطراً في لحظةٍ كان فيها الجبر نجاة.فاجبروا خواطر الناس… ليس لأنهم يحتاجونكم دائماً، بل لأن هذا العالم يحتاج مزيداً من الرحمة. ولأن خاطراً واحداً قد تجبرونه اليوم، قد يعود إليكم غدً على هيئة طمأنينة، أو فرج، أو لطفٍ إلهي لا ينسى.





