كتبت : حنان المطوع

بعد أربعة وأربعين عاماً، عاد التاريخ ليفتح إحدى صفحاته الملكية، حين استقبلت بريطانيا السلطان هيثم بن طارق، سلطان عُمان، في زيارة دولة أعادت إلى الذاكرة زيارة السلطان الراحل قابوس بن سعيد عام 1982، عندما كانت الملكة إليزابيث الثانية تجلس على العرش البريطاني. وبين الأمس واليوم تغيرت الوجوه، وتعاقبت الأجيال، لكن العلاقات التاريخية بين البلدين ظلت حاضرة، لتشهد قلعة ويندسور في أكتوبر 2026 فصلاً جديداً من هذه الحكاية.
كان الاستقبال حافلاً بالمراسم الملكية البريطانية، حيث استقبل الملك تشارلز الثالث والملكة كاميلا والأمير ويليام والأميرة كيت الضيف العُماني وسط أجواء احتفالية، رافقتها الموسيقى العسكرية وحرس الشرف والعربات الملكية التي تجرها الخيول. ورغم الأمطار التي هطلت على ويندسور، احتفظ المشهد بأناقته وهيبته، وكأن القلعة العتيقة تستعيد إحدى لوحات التاريخ التي اعتادت أن تكون مسرحاً لها.
غير أن التفاصيل الصغيرة كانت الأكثر إثارة للاهتمام، فقد اختارت الملكة كاميلا اللون الأحمر، بينما ظهرت الأميرة كاثرين باللون الأخضر الداكن، وهما من ألوان العلم العُماني، في تنسيق فسر باعتباره تحية رمزية لسلطنة عُمان. ولم تكتمل هذه اللغة الصامتة بالألوان وحدها، بل بالمجوهرات التي حملت بدورها حكايات من التاريخ الملكي البريطاني.
فقد زينت الملكة كاميلا معطفها ببروش زهري من الياقوت الأحمر والألماس، بينما اختارت الأميرة كاثرين بروش «الريشات الثلاث لأمير ويلز»، المرصع بالألماس والزمرد، والذي يعود إلى عام 1863، حين قدم هدية زفاف للأميرة ألكسندرا، التي أصبحت لاحقاً ملكة بريطانيا. وانتقلت هذه القطعة عبر أجيال العائلة الملكية، وارتدتها الأميرة ديانا، لتعود اليوم وتظهر على صدر كاثرين، أميرة ويلز.
ولعل هذا الاختيار كان أكثر ما لفت الأنظار، فالبروش ليس مجرد قطعة مجوهرات ثمينة، بل يحمل الشعار التاريخي لأمير ويلز، ويرتبط بالنساء اللواتي حملن لقب أميرته. وكاثرين، زوجة ولي العهد الأمير ويليام، ينتظر أن تصبح ملكة قرينة عندما يتولى زوجها العرش، مما يمنح ظهورها بهذه القطعة دلالة رمزية جميلة تربط الماضي بالمستقبل، وإن لم يكن هناك إعلان رسمي بأن اختيارها جاء لهذا الغرض. وهكذا تحولت قطعة صغيرة من الألماس والزمرد إلى شاهد صامت على تاريخ امتد من ألكسندرا إلى ديانا، وصولاً إلى كاثرين.
وفي المساء، انتقلت المراسم إلى قاعات قلعة ويندسور، حيث أقيمت مأدبة الدولة تكريماً للسلطان هيثم، وسط أجواء جمعت فخامة الضيافة البريطانية وعراقة التقاليد الملكية. وبين أزياء النهار ومجوهرات المساء، بدت الزيارة أكثر من مناسبة رسمية، إذ كشفت كيف تستطيع التفاصيل الثقافية أن تمنح اللقاءات بين الدول طابعاً إنسانياً وتاريخياً يتجاوز الكلمات والخطابات.
ولعل ما يميز مثل هذه الزيارات أن التاريخ لا يحضر فيها من خلال الوثائق وحدها، بل قد يظهر في لون معطف، أو بروش ورثته الأجيال، أو عربة ملكية تعبر شوارع مدينة عتيقة. فكل تفصيل يحمل وراءه حكاية، وكل صورة تختزن شيئاً من ذاكرة الشعوب.
وهكذا، من مسقط إلى ويندسور، لم تكن زيارة السلطان هيثم بن طارق مجرد استقبال ملكي حافل، بل لقاءً بين تاريخين وثقافتين، تداخلت فيه هيبة المراسم مع أناقة الرموز. وربما كانت أجمل رسالة حملها ذلك المشهد أن التاريخ لا يحتاج دائماً إلى كلمات كثيرة ليروي حكاياته؛ فأحياناً يكفي لون، أو بروش صغير، أو مصافحة ملكية، لتبقى اللحظة حاضرة في ذاكرة الزمن.





