كتبت : حنان المطوع

زرت قصر الحمراء من قبل، وكنت أظن أنني ذاهبة لأشاهد واحداً من أجمل الشواهد التي تركتها الحضارة الإسلامية في الأندلس، لكنني لم أكن أعرف أن سقفاً واحداً سيجعلني أرفع رأسي طويلاً، ثم أعود بعد الزيارة لأبحث وأقرأ وأسأل: كيف صنعوا كل هذا الجمال؟
كان ذلك في قاعة الأختين.
وقفت أتأمل السقف، ولم أعرف في البداية ماذا أسمي ما أراه. آلاف التفاصيل الصغيرة تتجمع فوق الرأس، تتداخل وتتفرع، وكأنها بلورات معلقة في السماء، أو كهوف صغيرة نحتها فنان شديد الصبر، ثم جمعها في لوحة واحدة. وكلما تحركت تغير الضوء، فتغير معها شكل السقف، وكأن البناء نفسه يتنفس. عرفت بعد ذلك أن لهذا الفن اسماً جميلاً: المقرنصات.
والمقرنصات ليست رسوماً مرسومة على سقف، بل تشكيلات معمارية مجسمة تتكون من وحدات صغيرة متدرجة ومتراكبة، تتكرر وفق نظام هندسي دقيق. قد تراها تحت القباب، وفي المحاريب والمداخل والزوايا، وأحياناً تنظر إليها فلا تعرف أين تنتهي الهندسة وأين تبدأ الزخرفة.
بدأت أشكال المقرنصات المبكرة في العمارة الإسلامية منذ قرون، ثم تطورت وانتقلت بين البلدان والحضارات، من المشرق الإسلامي إلى مصر وبلاد المغرب والأندلس. وكل منطقة أضافت إليها شيئاً من شخصيتها؛ فصنعت من الحجر والجص والآجر والخشب، وتحولت مع الزمن من حل معماري يساعد في الانتقال بين الجدران والقباب إلى فن قائم بذاته. لكن قصر الحمراء أخذ هذا الفن إلى عالم آخر.
في قاعة الأختين تحديداً ترتفع واحدة من أشهر القباب المقرنصة في العمارة الأندلسية. وحدات صغيرة كثيرة تتشابك فوق بعضها بعضاً حتى يبدو السقف للناظر كسماء مليئة بالنجوم والبلورات. والغريب أنك إذا اقتربت رأيت أجزاء صغيرة، وإذا ابتعدت اختفت الأجزاء وظهرت أمامك لوحة كاملة. وهنا يكمن سر المقرنصات.
إنها تعلمنا أن الفنان المسلم لم يكن ينظر إلى الهندسة باعتبارها أرقاماً وخطوطاً فقط، بل كان يحول الحساب إلى جمال، والتكرار إلى إيقاع، والفراغ إلى جزء من التصميم، والضوء إلى عنصر يكمل العمارة. وربما لهذا بقيت واقفة تحت ذلك السقف أتأمله.
لم أكن يومها أعرف اسمه، ولا تاريخه، ولا كيف صنع. كنت فقط أعرف أن شيئاً فيه أجبرني على رفع رأسي. وبعد سنوات، حين قرأت عن المقرنصات، أدركت أن بعض الأماكن لا تنتهي زيارتها عندما نغادر أبوابها. بعضها يترك في داخلنا سؤالاً صغيراً…
وقد يكون ذلك السؤال هو أجمل ما نحمله معنا من السفر






