بيت السناري .

كتبت : حنان المطوع.

بيت السناري … دراما الحب والغموض في قلب القاهرة القديمة في مشوارنا الأسبوعي في شارع المعز، لا نسير على طريقٍ عادي، بل نعبر بين طبقاتٍ من الزمن، كل حجر فيها يحفظ أثر من مرّ، وكل باب يُخفي خلفه حكاية لم تُروَ كاملة. هذا الشارع ليس مجرد ممر تاريخي، بل هو قلب القاهرة القديمة النابض، حيث تتجاور المساجد والبيوت والسبل، وتتشابك تفاصيل الحياة بين الدين والفن والمجتمع، في مشهدٍ يصعب أن يتكرر.في كل أسبوع، نتوقف عند معلمٍ من هذه المعالم، لا لنصفه فقط، بل لنحاول أن نصغي إليه… أن نسمع ما لم يُكتب في الكتب، وما بقي عالقًا في الجدران. فهنا لا تكفي المعرفة، بل يحتاج المكان إلى إحساس.ومحطتنا اليوم تقودنا إلى بيت السناري… بيتٌ يبدو للوهلة الأولى هادئًا، متماسكًا، لكنه يخفي في داخله طبقاتٍ من الحياة، والتفاصيل، وربما… المشاعر.حين تخطو إلى داخله، وتصل إلى فناءه المفتوح، حيث تتقابل الشرفات الخشبية في صمتٍ أنيق، يتسلل إليك شعور غريب… كأن المكان لا يزال مأهولًا، كأن الحياة لم تغادره تمامًا. هل كان هذا الفناء شاهدًا على ضحكاتٍ عائلية؟ على اجتماعاتٍ طويلة؟ على لحظات انتظارٍ لم تكتمل؟التاريخ يخبرنا أن هذا البيت بُني في أواخر القرن الثامن عشر، وأنه شهد تحولاتٍ كبيرة، خاصة في زمن الحملة الفرنسية على مصر، حيث تحوّل لاحقًا إلى مساحة للعلم والمعرفة. لكن، ماذا عن التفاصيل الصغيرة؟ عن الأيام العادية التي لا تُسجّلها الكتب؟هنا تبدأ الأسئلة… وهنا يبدأ الخيال.تأمل تلك الشرفات… هل كانت مجرد عنصر معماري، أم كانت نافذة لقلوبٍ تراقب وتنتظر؟ هل مرّت من هنا نظراتٌ خجولة، أو رسائل صامتة بين طرفين فرقتهما العادات؟ ربما لم يذكر التاريخ قصة حب في هذا المكان، لكن هل يخلو بيتٌ عاش فيه البشر من قصةٍ كهذه؟المكان لا يُجيب… لكنه يُلمّح.في زواياه شيء من الغموض، في خشبه المعتّق شيء من الدفء، وفي صمته مساحة واسعة لنسج الحكايات. وربما هذا هو سرّه… أنه لا يفرض عليك قصة، بل يتركك تخلق قصتك أنت.وأنت تسير بين غرفه وممراته، قد تشعر أن الخطى أصبحت أبطأ، وأن الصوت صار أخف، وكأنك تخشى أن تُزعج شيئًا قديمًا… أو ذكرى لا تزال تحوم في المكان. هنا، لا تزور موقعًا أثريًا فقط، بل تقترب من حياةٍ كانت يومًا كاملة، ثم تحولت إلى صدى.شارع المعز لا ينتهي عند بيتٍ واحد، ولا تختصره حكاية واحدة. في كل زاوية منه بداية جديدة، وفي كل باب قصة تنتظر من يطرقها.وفي مشوارنا القادم، نلتقي عند معلمٍ آخر من هذا الشارع العتيق… مكان يحمل طابعًا مختلفًا، وحكاية لا تقل عمقًا، لنكمل معًا الرحلة بين التاريخ وما يخفيه من أسرار… في الجمعة القادمة.

  • Related Posts

    التسامح قوة الروح الإنسانية

    كتبت : حنان المطوع في لحظة من لحظات التأمل، أجد نفسي أمام قرار التسامح. قرار صعب، ولكنه ضروري لكي نستطيع أن نعيش حياتنا بسلام وطمأنينة. التسامح هو قوة الروح الإنسانية…

    Read more

    Continue reading
    حين يزعجهم نجاحك

    كتبت : حنان المطوع مررت في حياتي بمواقف كثيرة جعلتني أفهم أن بعض الناس لا يحاولون التقليل منك لأنك أقل منهم، بل أحياناً لأن نجاحك يزعجهم. في البداية كنت أبحث…

    Read more

    Continue reading

    You Missed

    دعاء وعل تستعيد حضورها الفني بـ«عالدلعونا» بعد أزمتها الصحية

    دعاء وعل تستعيد حضورها الفني بـ«عالدلعونا» بعد أزمتها الصحية

    جبر الخواطر : عباده خفيه لا تحتاج سجادة بل قلباً رحيماً ولساناً ليناً

    جبر الخواطر : عباده خفيه لا تحتاج سجادة بل قلباً رحيماً ولساناً ليناً

    من مسقط إلى ويندسور… حين يتحدث التاريخ بلغة الملوك

    من مسقط إلى ويندسور… حين يتحدث التاريخ بلغة الملوك

    قرعة نارية لكأس مصر 2026-2027.. الأهلي والزمالك على طريق المنافسة وبيراميدز يسعى للحفاظ على اللقب

    قرعة نارية لكأس مصر 2026-2027.. الأهلي والزمالك على طريق المنافسة وبيراميدز يسعى للحفاظ على اللقب

    «مياه القاهرة» تقود تحالفًا مجتمعيًا لترسيخ ثقافة ترشيد الاستهلاك للمياه

    «مياه القاهرة» تقود تحالفًا مجتمعيًا لترسيخ ثقافة ترشيد الاستهلاك للمياه

    أبو قرن الكبير… حين يصبح الحب نافذة في جذع شجرة

    أبو قرن الكبير… حين يصبح الحب نافذة في جذع شجرة