حين يكون القلب رحباً… تضيق الجدران وتتسع الحياة

كتبت : حنان المطوع

ليست كل الأماكن الواسعة مريحة، وليست كل الأماكن الضيقة خانقة.

قد تدخل بيتاً كبيراً، تتسع غرفه وتمتد ممراته، ومع ذلك تشعر أن شيئاً فيه يضيق صدرك، وكأنك تبحث عن الباب قبل أن تجلس.

وقد تدخل مكاناً صغيراً، بالكاد يتسع لمن فيه، فتشعر أنك لا تريد المغادرة.

فما الذي اتسع هنا؟

المكان… أم القلب؟

ربما لهذا لا أحب أن أحصر البشاشة في الوجه وحده.

فالوجه قد يبتسم للحظات، أما بشاشة الروح فهي شيء آخر تماماً.

هي ذلك الشعور الذي يمنحك إياه بعض الناس دون أن يفعلوا شيئاً استثنائياً. تجلس إلى جوارهم فتهدأ، وتتحدث معهم فلا تخشى أن تفهم خطأ، وتصمت أمامهم فلا تشعر أنك مطالب بالكلام.

وكأن أرواحهم تقول لك دون كلمات: أنت هنا في أمان.

وأعتقد أن الأمان واحد من أجمل أشكال البشاشة التي يمكن أن يمنحها إنسان لإنسان.

فنحن لا نبحث دائماً عمن يضحكنا، بقدر ما نبحث عمن نستطيع أن نكون أمامه كما نحن.

دون حذر.

دون حساب لكل كلمة.

دون خوف من أن تتحول لحظة ضعف عابرة إلى حكم دائم علينا.

ولهذا قد تصبح غرفة صغيرة أجمل مكان في الدنيا إذا جمعتنا بمن نحب.

وقد تصبح مائدة متواضعة أكثر دفئاً من أفخم الموائد، لأن الوجوه التي حولها تعرف كيف تفتح للروح مكاناً قبل أن تفتح للضيف باباً.

هنا نفهم أن الرحابة ليست دائماً في الأمتار.

بعض البيوت تتسع بجدرانها، وبعضها يتسع بأهلها.

وبعض القلوب وحدها تستطيع أن تجعل لك من الزاوية وطناً.

حتى الأيام نفسها تشبه الأماكن.

هناك أيام تضيق بنا حتى نظن أنه لم يعد فيها متسع لشيء جميل. تتعثر أمور، وتتأخر أمنيات، ونستيقظ أحياناً ونحن نحمل من الأمس ما يكفي لإفساد اليوم كله.

لكن بشاشة الروح تفعل شيئاً عجيباً.

لا تنكر الحزن، ولا تدعي أن الحياة جميلة في كل لحظة، لكنها تترك نافذة صغيرة مفتوحة.

تقول لنا: ربما لم ينته كل شيء بعد.

ربما يحمل المساء ما لم يحمله الصباح.

ربما يأتي اتصال يغير المزاج، أو كلمة تطيب الخاطر، أو لقاء لم يكن في الحسبان، أو خبر صغير يعيد للقلب شيئاً من الضوء.

وهنا يولد الأمل.

ليس ذلك الأمل الصاخب الذي يعدنا بأن كل شيء سيكون كما نريد، بل الأمل الهادئ الذي يقول لنا إن الحياة، مهما ضاقت، ما زال فيها متسع لشيء لم نره بعد.

وأحياناً لا نحتاج أكثر من ذلك لكي نستمر.

نافذة صغيرة في جدار يوم ثقيل.

إنسان نشعر معه بالأمان.

بيت ندخله فتسترخي أرواحنا قبل أجسادنا.

وكلمة طيبة تصل في وقت كنا نظن فيه أن لا أحد يشعر بنا.

ومع مرور العمر، نكتشف أن أجمل الناس ليسوا بالضرورة أكثرهم حديثاً ولا أكثرهم ضحكاً، بل أولئك الذين تتسع صدورهم لنا.

الذين لا يجعلوننا نشعر بأننا عبء.

الذين إذا أخطأنا تركوا لنا مساحة للاعتذار، وإذا حزنا تركوا لنا مساحة للصمت، وإذا فرحنا لم يضيقوا علينا فرحتنا.

هؤلاء يحملون بشاشة لا تراها العين وحدها.

تشعر بها الروح.

وربما لهذا تبقى بعض الأماكن في ذاكرتنا سنوات طويلة، رغم أنها لم تكن جميلة إلى ذلك الحد.

كرسي قديم في بيت الجدة.

مطبخ صغير اجتمعت فيه العائلة.

غرفة ضيقة امتلأت ذات مساء بالضحك.

لم تكن الجدران هي التي صنعت الذكرى.

كانت القلوب.

فالأماكن تأخذ مساحتها الحقيقية من مشاعرنا، لا من مخططاتها الهندسية.

والحياة أيضاً كذلك.

قد لا نستطيع أن نوسع كل الطرق أمامنا، ولا أن نمنع الأيام الصعبة من الوصول، ولا أن نحصل دائماً على ما نريد في الوقت الذي نريده.

لكننا نستطيع أن نحافظ داخلنا على شيء من الرحابة.

أن نكون ممن إذا دخلوا مكاناً خف توتره، وإذا تحدثوا اطمأن من أمامهم، وإذا ابتسموا لم تكن ابتسامتهم حركة على الشفاه، بل رسالة تصل إلى القلب.

فما أجمل أن يكون الإنسان مكاناً آمناً لإنسان آخر.

وما أجمل أن نترك خلفنا، أينما ذهبنا، شعوراً يشبه النافذة المفتوحة.

لأن الحياة لن تكون واسعة طوال الوقت…

لكن القلب الواسع يستطيع، أحياناً، أن يجعل أضيق الأماكن رحبة، وأثقل الأيام قابلة للعبور، وأصغر نافذة كافية ليدخل منها الأمل.

  • Related Posts

    حين يزعجهم نجاحك

    كتبت : حنان المطوع مررت في حياتي بمواقف كثيرة جعلتني أفهم أن بعض الناس لا يحاولون التقليل منك لأنك أقل منهم، بل أحياناً لأن نجاحك يزعجهم. في البداية كنت أبحث…

    Read more

    Continue reading
    تألق لافت للاعبي المنتخب في تصفيات بطولة هليوبوليس المفتوحة لكرة السرعة.

    كتب : نبيل امام بعد مضي يومين من المباريات المتتالية، وضح سيطرة لاعبي منتخب مصر لكرة السرعة وحفاظهم علي ترتيبهم من خلال تحقيق انتصارات متتابعة في منافسات فردي السيدات و…

    Read more

    Continue reading

    You Missed

    حين يزعجهم نجاحك

    حين يزعجهم نجاحك

    تألق لافت للاعبي المنتخب في تصفيات بطولة هليوبوليس المفتوحة لكرة السرعة.

    تألق لافت للاعبي المنتخب في تصفيات بطولة هليوبوليس المفتوحة لكرة السرعة.

    الست لما… خرجت من السينما بفكرة لم أدخل بها.

    الست لما… خرجت من السينما بفكرة لم أدخل بها.

    لماذا أصبح الإنسان يخاف أن يبقى وحده مع أفكاره؟

    لماذا أصبح الإنسان يخاف أن يبقى وحده مع أفكاره؟

    «إنت ودماغك».. الكوميديا تلتقي بالمسرح على خشبة الهوسابير اليوم.

    «إنت ودماغك».. الكوميديا تلتقي بالمسرح على خشبة الهوسابير اليوم.

    المعركة الصامتة داخل الإنسان

    المعركة الصامتة داخل الإنسان