حلاوة الجمعة… حين نمنح أجسادنا قليلا من الراحة

كتبت : حنان المطوع

في زحمة الأيام، نعتني بكل شيء حولنا وننسى أحيانا أن لنا نحن أيضا حقا في العناية.

نستيقظ على مسؤولياتنا، ونمضي من مهمة إلى أخرى، وبين العمل والبيت والمواعيد والالتزامات، تمر الساعات دون أن نسأل أنفسنا سؤالا بسيطا: متى كانت آخر مرة منحت فيها جسدي وعقلي لحظة هدوء حقيقية؟

ربما لهذا أحببت فكرة أن يكون للجمعة طقس صغير نعود فيه إلى أنفسنا.

ليس المطلوب شيئا معقدا، ولا ساعات طويلة، ولا عناية مكلفة. أحيانا يكفي ماء دافئ، وقليل من الملح، وبعض الأعشاب العطرية التي نحب رائحتها، وبضع قطرات من زيت مناسب، ثم نجلس بهدوء ونترك أقدامنا تستريح.

فالأقدام تحملنا طوال اليوم.

تمشي بنا إلى العمل، وإلى الأسواق، وإلى الزيارات، وتصعد الدرج، وتقف لساعات، وترافقنا في كل مكان دون أن نلتفت إليها إلا عندما تشعر بالتعب.

ولذلك ربما تستحق أن نقول لها في نهاية الأسبوع: شكرا.

ليس طقس نقع القدمين مجرد لحظة للعناية بالجسد، بل يمكن أن يتحول إلى مساحة صغيرة للراحة النفسية أيضا. عندما نجلس بهدوء، ونشعل شمعة، ونضع إلى جوارنا فنجان القهوة أو الشاي، ونترك الهاتف بعيدا لبعض الوقت، يصبح الأمر أشبه برسالة نرسلها لأنفسنا: لقد تعبت، ومن حقي أن أرتاح.

وقد عرفت الحضارات القديمة استخدام الماء الدافئ والأعشاب والزيوت في طقوس العناية والاسترخاء، لأن الإنسان منذ زمن بعيد كان يدرك أن الماء يستطيع أن يمنح الجسد شعورا جميلا بالراحة، وأن الروائح العطرية قادرة على استحضار الذكريات وتهدئة أجواء المكان.

وليس ضروريا أن نبحث عن وصفة مثالية.

يمكن أن نضع في الماء الدافئ القليل من الملح، وبعض بتلات الورد، أو الأعشاب العطرية التي نحبها، ثم نجلس لمدة قصيرة نستمتع بالدفء والهدوء. وبعدها نجفف القدمين جيدا، ويمكن استخدام كريم مرطب إذا كانت البشرة جافة.

لكن الأجمل في هذه اللحظة ليس ما نضعه في الماء…

بل ما نزيله من داخلنا.

نزيل شيئا من استعجال الأسبوع، شيئا من الضجيج، شيئا من التفكير المتواصل، وربما شيئا من التعب الذي حملناه معنا من يوم إلى آخر.

فالراحة ليست دائما سفرا بعيدا.

أحيانا تكون في كرسي مريح، وضوء خافت، ورائحة جميلة، وماء دافئ، وفنجان قهوة، ووقت قصير لا نكون فيه مطالبين بشيء.

والجمعة تحديدا تحمل هذا الشعور الجميل.

يوم تتباطأ فيه الحياة قليلا، وتصبح التفاصيل الصغيرة أكثر وضوحا. نستطيع أن نجلس مع من نحب، أو نقرأ صفحات من كتاب، أو نستمع إلى موسيقى هادئة، أو نفتح نافذة ونتأمل السماء، أو ببساطة نجلس وحدنا دون أن نشعر أننا نهرب من شيء.

ربما تكون هذه هي حلاوة الجمعة الحقيقية…

أن نتذكر أننا لسنا آلات تعمل طوال الأسبوع.

نحن بشر نتعب، ونحتاج إلى الراحة، ونحتاج إلى لحظة نعود فيها إلى أنفسنا.

لذلك، اجعلي لك في كل جمعة طقسا صغيرا تحبينه.

قد يكون حماما دافئا، أو عناية بالقدمين، أو فنجان قهوة في هدوء، أو قراءة، أو مشيا هادئا، أو حتى نصف ساعة تقضينها بلا هاتف.

لا تبحثي دائما عن الأشياء الكبيرة التي تغير حياتك.

أحيانا التفاصيل الصغيرة هي التي تجعل الحياة أجمل.

فالجسد الذي حملك طوال الأسبوع يستحق منك كلمة امتنان، والقلب الذي تحمل كثيرا يستحق بعض السكينة، والعقل الذي لم يتوقف عن التفكير يستحق أن تمنحيه لحظة صمت.

وهكذا تصبح الجمعة أكثر من يوم في نهاية الأسبوع…

تصبح موعدا صغيرا مع نفسك.

موعدا تقولين فيه:

لقد تعبت كثيرا هذا الأسبوع…

والآن جاء دوري لأرتاح.

حلاوة الجمعة ليست في الأشياء التي نملكها، بل في اللحظة التي نشعر فيها أننا بخير.

وفي النهاية، ربما أجمل ما يمكن أن نهديه لأنفسنا ليس شيئا نشتريه، وإنما وقت نمنحه لأنفسنا بمحبة.

جمعة هادئة، دافئة، مليئة بالسكينة…

وحلاوة جمعتكم أن تبدأ من الداخل.

  • Related Posts

    المعركة الصامتة داخل الإنسان

    كتبت : حنان المطوع من الغريب أن الإنسان يقضي عمره وهو يبحث عن عدوٍ خارجي يعلق عليه أخطاء العالم بينما أكثر المعارك ضجيجاً تدور بصمت داخله نحن نخاف من الأشخاص…

    Read more

    Continue reading
    الهلهولة… صوت الفرح الذي عبر آلاف السنين

    كتبت : حنان المطوع في كل عرس تقريباً هناك لحظة لا تحتاج إلى موسيقى ولا إلى كلمات. فجأة تنطلق (زغرودة، هلهولة، زغروطة، يويو )من بين النساء، فتتبعها أخرى، وكأن الفرح…

    Read more

    Continue reading

    You Missed

    «إنت ودماغك».. الكوميديا تلتقي بالمسرح على خشبة الهوسابير اليوم.

    «إنت ودماغك».. الكوميديا تلتقي بالمسرح على خشبة الهوسابير اليوم.

    المعركة الصامتة داخل الإنسان

    المعركة الصامتة داخل الإنسان

    الهلهولة… صوت الفرح الذي عبر آلاف السنين

    الهلهولة… صوت الفرح الذي عبر آلاف السنين

    بيان من شركة مياه الشرب بالقاهرة عن انقطاع المياه بمناطق داخل القاهرة تعرف عليها

    بيان من شركة مياه الشرب بالقاهرة عن انقطاع المياه بمناطق داخل القاهرة تعرف عليها

    بيوت من طين… بناها طائر

    بيوت من طين… بناها طائر

    الزمن لا يغير أحداً… بل يكشفه

    الزمن لا يغير أحداً… بل يكشفه