كتبت : حنان المطوع

أن نختلف على من يبدأ اللعب، ثم نتصالح بعد دقائق وكأن شيئاً لم يكن. كانت الكرة قديمة، والشارع ضيقاً، والمرمى مجرد حجرين على طرفي الطريق، لكننا كنا نشعر أننا نلعب في أكبر ملاعب العالم.
لم تكن لدينا ألعاب إلكترونية، ولا هواتف ذكية، ولا آلاف الخيارات التي يملكها أطفال اليوم، ومع ذلك كنا نعود إلى بيوتنا بقلوب ممتلئة بالفرح، وكأننا امتلكنا الدنيا كلها.
كان الفرح يومها بسيطاً… ولذلك كان حقيقياً.
كبرنا…
وأصبحت همومنا أكبر من الشوارع التي احتضنت طفولتنا. صرنا نحسب الأيام بالمواعيد، والنجاحات بالأرقام، والعلاقات بالمصالح، وأصبح الوقت الذي كنا نركض فيه خلف الكرة، نركض فيه الآن خلف الحياة.
الغريب أننا كسبنا أشياء كثيرة، لكننا خسرنا شيئاً لم نستطع تعويضه… تلك البساطة التي كانت تجعل الضحكة تخرج من القلب دون سبب، وتجعل نهاية اليوم أجمل من بدايته.
أحياناً نمر بجانب شارع يشبه شوارع طفولتنا، أو نسمع صوت أطفال يلعبون الكرة، فتتوقف أرواحنا قبل أقدامنا. ليس لأننا نريد العودة إلى الماضي، بل لأن جزءاً جميلاً منا ما زال يعيش هناك… ينتظر أن نلتفت إليه.
ربما لم يكن الماضي أجمل لأنه كان خالياً من المشكلات، بل لأنه كان مليئاً بالقلوب التي لم تكن تعرف التعقيد. كنا نملك القليل، لكننا كنا نشعر أننا نملك كل شيء.
واليوم…
كلما رأيت طفلاً يركض خلف كرة في شارع قديم، أدركت أن السعادة لم تكن تحتاج إلى المال، ولا إلى الرفاهية، ولا إلى التكنولوجيا… كانت تحتاج فقط إلى قلب صغير، لا يعرف سوى اللعب، ولا يحمل من هموم الدنيا شيئاً.
الحقيقة أن العمر لا يسرق طفولتنا دفعة واحدة، بل يأخذها منا بهدوء، عاماً بعد عام، حتى يأتي يوم ننظر فيه إلى صورة قديمة أو شارع مألوف، فنكتشف أن أكثر ما نشتاق إليه ليس المكان… بل الإنسان الذي كنا عليه يوم كانت أكبر همومنا أن تنتهي اللعبة قبل أن ينتهي النهار.






