كتبت : حنان المطوع

ليس التقدم في العمر هو ما يجعل الإنسان حكيماً، بل ما مر به وهو يسير إليه. فكم من شاب يحمل من الفهم ما لا يحمله كبار السن، وكم من سنوات طويلة مرت على أصحابها دون أن تترك فيهم إلا عدداً أكبر من الأيام.
العمر الحقيقي ليس ما يظهر في الملامح، بل ما يترسب في الروح. هو تلك اللحظات التي تعلمنا فيها أن بعض المعارك لا تستحق أن نخوضها، وأن بعض الكلمات أجمل حين تبقى حبيسة الصمت، وأن كثيراً من العلاقات لا تنتهي بسبب الخلاف، بل بسبب التعب من تكرار الخلاف نفسه.
في بدايات الحياة نحاول أن نثبت أنفسنا للجميع، ثم تمضي السنوات فنكتشف أن أجمل راحة هي ألا نحتاج لإثبات شيء لأحد. نركض خلف رضا الناس، ثم نتعلم أن الناس أنفسهم يختلفون كل يوم، وأن رضاهم غاية لا تدرك، بينما سلام القلب كنز لا يعوض.
وحكمة العمر ليست أن تتوقف عن الحب، بل أن تعرف لمن تمنح قلبك. وليست أن تتوقف عن العطاء، بل أن تعرف أين تضع خيرك. وليست أن تغلق أبوابك، بل أن تتعلم أن ليس كل من طرق الباب يستحق الدخول.
ومع الوقت يدرك الإنسان أن أجمل الانتصارات ليست تلك التي يصفق لها الآخرون، بل تلك التي تحدث داخله. أن يغفر بعدما جرح، وأن يبتسم بعدما تألم، وأن يبقى إنساناً طيباً رغم كل ما حاول أن يغيره.
وعندما تنظر العين إلى الماضي بعد سنوات طويلة، لا تتذكر كل ما امتلكته، ولا كل ما خسرته، بل تتذكر القلوب التي أحبتها بصدق، والأيادي التي أمسكت بها في لحظات الضعف، والكلمات التي منحتك الأمل حين أوشكت على الانطفاء.
تلك هي حكمة العمر؛ أن تدرك في النهاية أن الحياة لم تكن رحلة لجمع الأشياء، بل رحلة لفهم النفس، وأن أجمل ما يخرج به الإنسان من سنواته كلها هو قلب أكثر رحمة، وعقل أكثر هدوءاً، وروح ما زالت قادرة على أن ترى الجمال رغم كل ما رأت.






