كتبت : حنان المطوع

بعض الأشخاص يعيشون في دائرةٍ معاكسة لكل اتجاه، كأنهم خلقوا ليكونوا صدى مقلوباً لكل فكرة، وظلاً معانداً لكل رأي. تراهم لا يوافقون حتى حين تكون الحقيقة أمامهم واضحة كالشمس، وكأن في داخلهم نزعة دائمة إلى المعارضة لا من أجل الإقناع، بل من أجل الوجود. هم أولئك الذين لا يبحثون عن الصواب بقدر ما يبحثون عن الخلاف، وكأنهم يستمدون قيمتهم من الرفض وحده.
إنهم لا يقفون في صف أحد، بل يقفون ضد الجميع، لا لأنهم يمتلكون رؤية أعمق، بل لأنهم لا يطيقون أن يكونوا مع الآخرين. كل اقتراح بالنسبة لهم تحدً، وكل نصيحة معركة صغيرة، يردون عليها بعكسها فقط ليثبتوا لأنفسهم أنهم مختلفون. وفي اختلافهم هذا يضيع المعنى، وتضيع الفكرة، ويتحول الحوار معهم إلى دوامة من الجدل العقيم الذي لا نهاية له.
والذي يعاكس كل شيء ليس حراً كما يظن، بل أسير لعنادٍ متجذرٍ في داخله. يظن أنه يعبر عن ذاته، لكنه في الحقيقة يهرب منها. يهرب من التوافق لأنه يرى فيه ضعفاً، ومن الاتفاق لأنه يظن أنه خضوع، بينما القوة الحقيقية تكمن في أن تكون صادقاً مع قناعتك لا مع رفضك.
أما التعامل مع هؤلاء، فلا يكون بالمواجهة ولا بالانفعال، لأن الجدال معهم طريق بلا مخرج. الصواب هو أن تتعامل معهم بذكاء وهدوء، أن تستمع دون أن تنجرف، وأن تميز متى يكون الرد واجباً ومتى يكون الصمت أبلغ من الكلام. أحياناً يكفي أن توافقهم ظاهراً وتمضي في طريقك، فبعض المواقف لا تحتاج إلى معارك كلامية، بل إلى نتائج تثبت الحقيقة.
احترم رأيهم من غير أن تتنازل عن قناعتك، وكن مرناً من غير أن تكون ضعيفاً. وإن شعرت أن وجودهم يثقل عليك ويستهلك طاقتك، فضع بينك وبينهم مسافة آمنة من الصمت. فليست كل علاقة تصلح بالمواجهة، وبعض المسافات تحفظ الود أكثر من القرب.
في نهاية المطاف، سيبقى من يعاكس كل شيء أسير دائرةٍ لا تنتهي، يبحث عن ذاته في مرآة الخلاف ولا يجدها. أما أنت، فابحث عن توازنك وسط الضجيج، ولا تدع أحداً يسرق منك يقينك أو صفاءك. فالكلمة الهادئة تبني ما لا تبنيه أصوات الجدل، والاتزان وسط العناد هو علامة القوة الحقيقية. كن أنت الثبات في وجه الريح، والنور الذي لا تطفئه ظلال العكس، لأن الحق لا يحتاج إلى صراخ كي يرى، بل إلى هدوءٍ واثقٍ كي يبقى.





