فلسفة الصوت في رمضان… حين يصبح الدوي رحمة.
كتبت : حنان المطوع .
لم يكن المدفع في جوهره سلاحاً…
بل كان وعداً ينتظر توقيته.
في مدينةٍ قديمة مثل القاهرة، قبل أكثر من خمسة قرون، لم تكن الساعات تزين المعاصم، ولا مكبرات الصوت تعلو المآذن.
كان الناس يعرفون الغروب بقلوبهم، ويحسبونه بنبض الانتظار.

وفي أحد أيام رمضان من القرن الخامس عشر، اعتلى الجنود قلعة المدينة يجربون مدفعاً جديداً وصل حديثاً في عهد السلطان المملوكي
خشقدم.
دوى المدفع…
وتردد الصوت بين الأزقة القديمة،
واهتز الهواء فوق المآذن،
وارتجفت القلوب قبل الجدران.
ظن الناس أن السلطان تعمد إطلاقه إعلاناً لوقت الإفطار.
فرحوا بالفكرة، وعدوها كرامة زمنية جديدة…
وحين بلغ السلطان ما ظنه الناس، لم يصحح سوء الفهم، بل احتضنه.
وأمر أن يطلق المدفع كل يوم عند غروب الشمس في رمضان.
هكذا، من قذيفةٍ خرجت مصادفة… ولد تقليد.
ومن قلعة صلاح الدين، أعلى نقطة في المدينة، صار الصوت يسافر فوق البيوت،
يجمع الأحياء في لحظة واحدة،
كأن القاهرة كلها قلب واحد ينبض في توقيتٍ واحد.
ثم تعاقبت العصور،
وجاء عهد محمد علي باشا،
فتنظم الجيش، وثبت التقليد،
وانتقل الصوت من القاهرة إلى مدنٍ أخرى:
إلى دمشق،
إلى القدس،
إلى إسطنبول،
حتى صار المدفع لغةً رمضانية تفهمها العواصم بلا ترجمان.
لكن…
الصوت في رمضان لم يكن مجرد وسيلة لضبط الوقت.
كان انتقالاً من الصبر إلى العطاء،
من الامتناع إلى الامتنان،
من جوع الجسد إلى شبع الروح.
ذلك الدوي لم يكن إعلان إفطار فحسب،
بل إعلان نجاة:
نجاة يومٍ من الزلل،
نجاة نيةٍ صمدت،
نجاة روحٍ جاهدت نفسها حتى الغروب.
كل بيتٍ كان يسمعه بطريقته:
الأم ترفع يدها بالدعاء،
الأب يبتسم مطمئناً،
الأطفال يركضون نحو التمر،
والمدينة كلها تفطر في لحظة واحدة… كأنها قلب واحد لا يتأخر نبضه.
وهنا تكمن الفلسفة:
أن الصوت، حين يخدم الروح، يتحول من ضجيج إلى سكينة.
ومن أداة حرب إلى رسول فرح.
ومن تجربة عسكرية عابرة إلى طقس يسكن الذاكرة الجماعية.
مدفع رمضان ليس حديداً يطلق ناراً…
بل زمن يطلق فرحاً.
ولعل أعظم ما في حكايته
أن الفرج جاء مصادفة،
وأن الرحمة أحياناً تولد من صوتٍ لم يقصد به الرحمة.
فمنذ خمسة قرون،
والناس ينتظرون الغروب،
ويصغون لذلك الدوي،
ليتأكدوا كل يوم…
أن بعد الانتظار الطويل
هناك دائماً
صوت رحمة.






