كتبت : حنان المطوع

كثيراً ما نتساءل: لماذا يتصدر اليابانيون قائمة الشعوب الأطول عمراً، بينما ترتفع معدلات السمنة والأمراض المزمنة في كثير من المجتمعات التي تعتمد على الوجبات السريعة؟
قد يظن البعض أن السر يكمن في الجينات، لكن الحقيقة أن أسلوب الحياة قد يكون أكثر تأثيراً من الوراثة نفسها. فما يفعله الإنسان كل يوم، وما يضعه في طبقه، وكيف يتعامل مع جسده، قد يصنع فرقاً لا تفعله أفضل الأدوية.
في اليابان، لا ينظر إلى الطعام على أنه وسيلة لإسكات الجوع، بل يعد جزءاً من ثقافة الحياة. فالوجبات غالباً ما تكون بسيطة ومتوازنة، تضم الأسماك، والخضراوات، والأرز، وفول الصويا، والأطعمة المخمرة، مع كميات معتدلة من الدهون والسكريات. والأجمل من ذلك أنهم لا يقدسون كثرة الطعام، بل يقدسون الاعتدال فيه. ومن أشهر عاداتهم التوقف عن الأكل قبل الوصول إلى الشبع الكامل، وهي عادة يعرفونها باسم “هارا هاتشي بو”، أي الاكتفاء بما يقارب ثمانين في المئة من الشبع.
وفي المقابل، انتشرت في كثير من المجتمعات الحديثة أنماط غذائية تعتمد على الوجبات كبيرة الحجم، والأطعمة فائقة التصنيع، والمشروبات الغنية بالسكر، وهي عادات ارتبطت بارتفاع معدلات السمنة وأمراض القلب والسكري. ولا يعني ذلك أن الجميع يعيشون بالطريقة نفسها، فهناك من يحرص على غذائه وصحته في كل مكان، لكن المقارنة هنا بين نمطين من أنماط الحياة، لا بين الشعوب.
ولا تقف العناية بالصحة عند نوعية الطعام فقط، بل تمتد إلى ما بعد الوجبة. فترك الجسم يهضم طعامه قبل النوم يمنحه فرصة ليؤدي عمله بصورة أفضل، ولذلك ينصح كثير من المختصين بترك نحو ثلاث ساعات بين وجبة العشاء والنوم. كما أن المشي الهادئ لمدة عشر إلى خمس عشرة دقيقة بعد تناول الطعام ليس مجرد عادة لطيفة، بل سلوك يساعد على تحسين الهضم، ويخفف من الارتفاع السريع في مستوى السكر في الدم، ويمنح الجسم نشاطاً وحيوية.
وربما يكون أجمل ما في التجربة اليابانية أنها لا تعتمد على حلول سريعة أو أنظمة قاسية، بل على عادات صغيرة تتكرر كل يوم حتى تصبح أسلوب حياة. فلا توجد وصفة سحرية للصحة، بل توجد اختيارات بسيطة تتراكم آثارها مع مرور الأيام.
ليس المطلوب أن نغير هويتنا، ولا أن نقلد شعباً آخر في كل تفاصيل حياته، فلكل مجتمع عاداته وثقافته. لكن الحكمة كانت دائماً في أن نتعلم من التجارب الناجحة. فإذا كانت عادة بسيطة، مثل الاعتدال في الطعام، أو المشي بضع دقائق بعد الوجبة، أو تأخير النوم قليلًا، قادرة على أن تمنح الإنسان صحة أفضل، فلماذا لا نجعلها جزءاً من حياتنا؟
فالعمر لا يقاس بعدد السنوات التي نعيشها، بل بجودة الأيام التي نحياها. والصحة ليست هدية من الحظ، ولا امتيازاً تمنحه الجينات وحدها، بل ثمرة عادات نصنعها كل يوم… وعندما تتغير عاداتنا، قد تتغير حياتنا بأكملها.





