كتبت : حنان المطوع

هناك أطباء يقرأون ما كتبه من سبقهم، وهناك أطباء يكتفون بتكرار ما تعلموه. لكن بين صفحات التاريخ يقف رجل اختار طريقاً مختلفاً؛ لم يكن يؤمن أن الحقيقة تحفظ في الكتب وحدها، بل كان يرى أن المرضى هم أعظم كتاب، وأن التجربة الصادقة أصدق من أي نظرية.إنه أبو مروان عبد الملك بن زهر، الطبيب الأندلسي الذي عاش في القرن الثاني عشر، وترك بصمة جعلته أحد أعظم أطباء الحضارة الإسلامية، حتى عرف في أوروبا باسم Avenzoar، وظلت مؤلفاته تدرس في جامعاتها لقرون طويلة.كان ابن زهر من أوائل الأطباء الذين اعتمدوا على الملاحظة الدقيقة والفحص السريري، فلم يكن يقبل رأياً لمجرد أن طبيباً مشهوراً قاله. كان يسأل، ويلاحظ، ويجرب، ثم يكتب ما يراه بعينيه. وفي زمن كان كثيرون يعتمدون على النقل، اختار هو أن يعتمد على الدليل.ومن أكثر ما يثير الإعجاب أنه أجرى تجارب على الحيوانات قبل تطبيق بعض الإجراءات العلاجية على الإنسان، في خطوة تعد من أوائل صور البحث الطبي التجريبي في التاريخ. لم يكن هدفه إثبات أنه على حق، بل حماية المريض والتأكد من سلامة العلاج.كما قدم أوصافاً دقيقة لأمراض الرئة والجهاز الهضمي والأمراض الجلدية، واهتم بالتغذية العلاجية للمرضى الذين يعجزون عن تناول الطعام بالطريقة المعتادة، مؤمناً بأن الغذاء جزء من العلاج وليس أمراً ثانوياً.ومن أشهر كتبه «التيسير في المداواة والتدبير»، الذي جمع فيه خلاصة خبرته الطبية، وأصبح مرجعاً مهماً ترجم إلى اللاتينية، وأسهم في تعليم أطباء أوروبا لعدة قرون.لم يخترع ابن زهر آلة، ولم يبنِ جهازاً، لكنه ابتكر طريقة في التفكير؛ علم الأطباء أن المعرفة لا تكتمل إلا بالتجربة، وأن الطبيب الحقيقي لا يكتفي بما يقرأ، بل يختبر ويلاحظ ويتعلم من الواقع.ولهذا بقي اسمه حاضراً بين كبار رواد الطب، لا لأنه حفظ ما قاله السابقون، بل لأنه امتلك الشجاعة ليبحث عن الحقيقة بنفسه.حين تتحول التجربة إلى منهج، يصبح الطب علماً لا مجرد رواية… وهذا ما فعله ابن زهر قبل نحو تسعة قرون.






