كتبت : حنان المطوع

في أحد الأيام، سمعت حواراً بسيطاً بين أم وابنها، لم يكن فيه شيء استثنائي في ظاهره، لكنه بقي عالقاً في ذهني كأنه ولد ليقال في اللحظة المناسبة.
قال لها وهو يحاول أن يفهم معنى الخسارة:
“وإذا كان الشيء لا يعوض؟”
فأجابت دون تردد، وكأنها تقول حقيقة لا تحتمل النقاش:
“طالما في الحياة صاحب العوض موجود… لا يوجد شيء لا يعوض.”
ثم صمتت قليلاً، وكأنها تترك للجملة أن تكمل معناها بنفسها.
لم أفهم الجملة في لحظتها كما أفهمها اليوم. كانت تبدو لي مجرد كلمات تهدئة، لكنها بقيت في ذهني فترة طويلة، تعود كلما فقدت شيئاً أو ابتعد عني أمر كنت أظنه مهماً أكثر من اللازم.
منذ ذلك الوقت، بدأت أنظر للأشياء بطريقة مختلفة.
نحن لا نحزن فقط لأننا فقدنا شيئاً، بل لأننا صدقنا أن ما فقدناه لا يمكن أن يعود بشكل آخر، أو أن الحياة ستتوقف عند تلك اللحظة تحديداً. نتعلق بالأشخاص، والفرص، والطرق التي رسمناها في خيالنا، ثم حين تنكسر الصورة، نظن أن لا شيء بعدها يستحق أن يعاد ترتيبه.
لكن الحقيقة أن الحياة لا تترك مكاناً فارغاً طويلاً.
هي لا تسرق منك شيئاً إلا لتفتح مساحة لشيء آخر، قد لا يشبهه، لكنه في كثير من الأحيان يناسبك أكثر مما كنت تتوقع.
ليس العوض دائماً في نفس الصورة، ولا يأتي من نفس الباب.
أحياناً تخسر شخصاً كنت تظنه لا يعوض، ثم تكتشف أنك أصبحت أقوى وأكثر اتزاناً بعد رحيله. وأحياناً تغلق أمامك فرصة كنت تراها “الحلم”، لتجد طريقاً آخر لم تكن لتراه لو لم تغلق تلك الباب اولاً. وأحياناً يتأخر ما تريده، فقط ليأتيك في وقت تكون فيه أنت أكثر استعداداً لاستقباله.
المؤلم في البداية أننا نقيس الخسارة بما نشعر به لحظتها، بينما لا نرى الصورة الكاملة إلا لاحقاً، عندما تهدأ الفوضى قليلاً، ونبدأ بفهم ما الذي كان يجب أن يبقى، وما الذي كان يجب أن يغادر.
العوض لا يعني أن يعود ما فقدناه، بل أن نفاجأ بأننا لم نفقد أنفسنا في الطريق.
أن نكتشف أننا رغم الانكسار، ما زلنا قادرين على البدء من جديد، وعلى الحب من جديد، وعلى الإيمان بأن القادم لم يقل كلمته الأخيرة بعد.
هناك أشياء لا تنسى، نعم… لكنها أيضاً لا تستعاد كما كانت، لأنها ببساطة كانت مرحلة وانتهت. وما ينتهي لا يقاس بقيمته فقط، بل بدوره في تشكيل ما بعده.
لهذا، لا شيء يستحق أن نطفئ حياتنا عليه طويلاً.
فكل ما يعوض… لا يستحق أن يتحول إلى وجع دائم،
وكل ما نظنه نهاية، قد يكون فقط بداية لم نفهمها بعد.
وفي مكان ما، بهدوء لا نراه الآن، هناك حياة أخرى ترتب لنا… أفضل قليلاً مما خسرناه، وأقرب قليلاً مما كنا نستحق.





