حكاية السبت.
بقلم : حنان المطوع .

في زمنٍ بدا فيه العالم واثقاً من نفسه إلى حد الغرور، مأخوذاً ببريق التقدم وسلطة العقل والعلم، ظهر مفكر فرنسي اختار أن يقف في الجهة المقابلة، لا بدافع الرفض ولا الحنين إلى الماضي، بل بدافع سؤال عميق عن مصير الإنسان. رينيه غينون، الذي ولد في فرنسا وتكون في بيئة عقلانية صارمة، خاصة في مجالات الفلسفة والرياضيات، لم يطمئن يوماً إلى فكرة أن العقل وحده قادر على احتواء الوجود. كلما تعمق في الفكر الحديث، ازداد شعوره بأن شيئاً جوهرياً يتسرب من بين أيدينا: المعنى.
لم تكن رحلته من باريس إلى القاهرة مجرد انتقال في المكان، بل تحول في الرؤية. في الشرق، وجد غينون ما افتقده في الغرب الحديث: حضور الروح، والرمز، والمعرفة التي لا تختزل الإنسان في كونه كائناً منتجاً أو رقماً في معادلة. هناك اعتنق الإسلام، واختار لنفسه اسم عبد الواحد يحيى، وعاش حياة هادئة بعيدة عن الأضواء، وكأن اختياره للصمت كان امتداداً طبيعياً لفكره.
من قلب هذا المسار ولد كتابه الشهير «أزمة العالم الحديث»، الذي لا يمكن قراءته كعمل نقدي عابر، بل كتشخيص عميق لحالة حضارية شاملة. لا يتحدث غينون عن أزمة سياسية أو اقتصادية بالمعنى المباشر، بل عن خلل أعمق يمس نظرة الإنسان إلى نفسه وإلى العالم. يرى أن الحضارة الحديثة، في اندفاعها نحو السيطرة والمعرفة التجريبية، قطعت صلتها بما هو أعلى، وأقصت البعد الروحي لصالح المادة، فاختل التوازن الداخلي للإنسان.
يذهب غينون إلى أن العالم الحديث مجد العقل الجزئي والعلم القائم على الكم والقياس، لكنه أهمل الحكمة والمعرفة المتعالية التي كانت، في نظر الحضارات التقليدية، اساساً لكل علم. لم يعد السؤال: لماذا نعرف؟ بل: كم ننتج؟ وكم نملك؟ وهنا، لا يصبح التقدم بالضرورة دليلًا على الارتقاء، بل قد يكون علامة على ابتعاد صامت عن الجوهر.
وفي حديثه عن «التقليد»، لا يقصد غينون العادات أو الماضي الجامد، بل يشير إلى تلك المعرفة المقدسة التي تشترك فيها الأديان الكبرى، والتي تربط الإنسان بالمبدأ الإلهي وتمنحه معنى لوجوده. من هذا المنطلق، لا يرى في الشرق نموذجاً مثالياً خالياً من العيوب، ولا يدين الغرب إدانة مطلقة، بل يلفت النظر إلى أن الشرق حافظ نسبياً على هذا البعد الروحي، بينما انشغل الغرب ببناء عالم قوي من الخارج، هش من الداخل.
الهدف من هذا الكتاب ليس الدعوة إلى هدم العالم الحديث أو الهروب منه، بل التنبيه إلى حدوده. كأن غينون يهمس للقارئ بأن الأزمة الحقيقية لا تكمن في نقص المعرفة، بل في نسيان الحكمة، ولا في ضعف الإمكانات، بل في غياب المعنى. إنها دعوة لإعادة وصل ما انقطع، بين العقل والروح، بين العلم والإنسان.
بعد ما يقارب قرناً على صدور الكتاب، لا تزال أسئلته حية ومربكة. في عالم أسرع، وأكثر ضجيجاً، وأكثر امتلاءً بالمعلومات، يبدو الإنسان أكثر وحدة من أي وقت مضى. وهنا تكمن قوة رينيه غينون؛ فهو لا يقدم أجوبة جاهزة، بل يتركنا أمام مرآة صامتة، نرى فيها صورتنا بوضوح قد يكون مؤلماً، لكنه ضروري.
ربما لهذا السبب لا يقرأ غينون على عجل، ولا يختصر في فكرة واحدة. هو تجربة فكرية وروحية في آن، تذكرنا بأن أزمة العالم الحديث، في جوهرها، ليست أزمة حضارة فقط، بل أزمة إنسان يبحث عن نفسه في عالم نسي أن ينظر إلى السموحه






