كتبت : حنان المطوع

ليس كل ما نعطيه يرحل عنا، فهناك أشياء كلما منحناها للآخرين ازدادت حضوراً في أرواحنا. كالوردة حين تهدى، قد تنتقل من يد إلى يد، لكن شيئاً من عطرها يبقى عالقاً بأصابع من حملها.
وهكذا هي الأخلاق الجميلة، والكلمات الطيبة، والقلوب التي تعودت أن تمنح دون حساب.
في هذه الحياة يمر الناس على بعضهم مروراً عابراً، لكن القليل منهم يتركون أثراً يشبه النسمة الهادئة بعد يوم طويل. أولئك الذين يخففون وجعاً، أو يزرعون ابتسامة، أو يقدمون كلمة دعم في وقت كانت فيه الكلمات أثمن من المال.
قد يظنون أنهم أعطوا غيرهم شيئاً بسيطاً، لكنهم في الحقيقة كانوا يمنحون أنفسهم شيئاً أكبر؛ راحة لا تشترى، ونوراً لا يرى بالعين.
العطاء ليس خسارة كما يتخيل البعض، بل هو من الأشياء النادرة التي تزداد كلما أنفقت منها. فكل محبة تمنحها تنمو في قلبك، وكل رحمة تقدمها للناس تعود إليك بأشكال مختلفة، وربما بعد سنوات طويلة. وحتى إن نسي الناس ما فعلته لهم، فإن روحك لا تنسى، وقلبك يحتفظ بذلك الشعور الدافئ الذي لا تمنحه إلا الأعمال الصادقة.
ولعل أجمل ما في الإنسان ليس ما يملكه، بل ما يتركه خلفه من أثر. فهناك أشخاص لا نتذكر ملامحهم جيداً، لكننا نتذكر كيف جعلونا نشعر.
نتذكر لطفهم، واحتواءهم، وكلماتهم التي جاءت في الوقت المناسب. وكأنهم مروا في حياتنا حاملين باقة ورد، ثم أكملوا طريقهم، بينما بقي العطر يملأ المكان.
لهذا لا تتردد في أن تكون صاحب الورد، حتى في زمن أصبحت فيه القسوة أسهل من اللطف. ازرع كلمة جميلة، وامسح دمعة، وساند قلباً متعباً، وامنح من حولك شيئاً من الخير الذي يسكنك. فالعالم قد ينسى كثيراً مما نفعله، لكن الخير لا يضيع أبدا ً.
ومن اعتاد أن يوزع الورد… لن يعود إلى بيته فارغ اليدين، لأن العطر الذي يتركه في قلوب الناس سيبقى أولًا وأخيراً عالقاً بيده.





