كتبت : حنان المطوع

في مدينة لا يعرفها أحد اليوم، ولد طفل لم يكن يشبه من حوله. لم يكن صاخباً كغيره، ولا كثير السؤال، لكنه كان ينظر للعالم كما لو أنه يرى شيئاً لا يراه الآخرون. أشياء تتحرك داخل رأسه بصمت، كأنها آلات خفية تعمل بلا توقف.
كان ذلك الطفل هو نيكولا تسلا.
لم يكن تسلا طفلًا عادياً، كان يستطيع أن يحفظ ما يقرأه وكأنه نقش في ذاكرته إلى الأبد. لكنه لم يكن يرى المعرفة كأرقام أو كلمات، بل كصور حية. عندما يسمع صوت آلة، كان يتخيلها تدور داخل عقله، يتتبع كل قطعة فيها، ويعيد بناءها دون أن يلمسها. وكأن العالم الخارجي بالنسبة له ليس إلا نسخة باهتة مما يدور داخله.
كان مختلفاً… ليس لأنه لا يفهم العالم، بل لأنه كان يفهمه أكثر مما ينبغي.
ومع مرور السنوات، كبر هذا الاختلاف بدل أن يختفي. أصبح تسلا يميل إلى العزلة، يهرب من الضجيج، ويبحث عن نظام صارم يحكم يومه، وكأن الفوضى الخارجية لا تناسب العالم الذي يعيش فيه داخلياً. كان حساساً بشكل لافت، يتأذى من أصوات معينة، وينزعج من تفاصيل لا يلاحظها غيره.
ولهذا، حين ينظر إليه البعض اليوم، يربطون هذه الصفات بما يعرف حديثاً بطيف التوحد. لكن الحقيقة أن تسلا عاش في زمن لم يكن فيه هذا المفهوم معروفاً، لذلك تبقى هذه الفكرة مجرد قراءة حديثة لشخصية قديمة، لا أكثر.
لكن ما لا يمكن الاختلاف عليه هو أن هذا الرجل كان يرى المستقبل.
في عصر كان العالم فيه يتعلم بالكاد استخدام الكهرباء، كان تسلا يفكر بطريقة مختلفة تماماً. لم يكن يسأل “كيف نستخدم الكهرباء؟”، بل “كيف نجعلها تصل إلى العالم كله؟”.
وهنا بدأت قصته الحقيقية.
دخل في صراع لم يكن مجرد منافسة علمية، بل معركة بين فكرتين. فكرة تقول إن الكهرباء يجب أن تبقى محدودة وخطرة، وأخرى يؤمن بها تسلا: أن الطاقة يجب أن تكون قوية، واسعة، وقابلة للوصول إلى الجميع. وفي النهاية، انتصرت فكرته، وأصبح نظام التيار المتردد هو العمود الفقري للكهرباء في العالم الحديث.
لكن الغريب في قصة تسلا أن الانتصار لم يجلب له ما كان يتوقعه العالم عادة. لم يصبح غنياً، ولم يحتفل به كما يجب، بل بقي في الظل، يعمل بصمت، بينما كانت اختراعاته تخرج إلى العالم وتعيش بدونه.
كان العالم يضيء باسمه… لكنه كان يعيش في الظلام.
حتى أفكاره التي بدت يوماً مستحيلة، مثل الاتصال اللاسلكي والطاقة البعيدة، أصبحت اليوم جزءاً من الحياة اليومية، في كل هاتف، وكل شبكة، وكل إشارة تمر حولنا دون أن نراها.
وفي نهاية حياته، لم يكن تسلا يعيش كالرجل الذي غيّر العالم، بل كرجل لم يفهم تماماً في حياته.
لكن التاريخ يفعل شيئاً غريباً… فهو لا يتذكر الضجيج، بل يتذكر الأثر.
واليوم، حين ننظر إلى تسلا، لا نراه مجرد مخترع، بل نراه دليلًا على أن العقول التي تبدو مختلفة قد تكون هي العقول التي تعيد تشكيل العالم.
ربما لم يكن يعيش في نفس عالمنا… لكنه بالتأكيد صنع جزءاً كبيراً منه.






