كتبت : حنان المطوع

تعرف سلطنة عُمان بتاريخها العريق وتنوعها الثقافي الغني، إلا أن كثيراً من الناس لا يعلمون أن أرض عُمان تحتضن عدداً من اللغات القديمة التي ما زالت تتداول حتى يومنا هذا، لتشكل جزءاً مهماً من الهوية الثقافية والتراث الإنساني في المنطقة.
فعلى الرغم من أن اللغة العربية هي اللغة الرسمية والأكثر انتشاراً، فإن بعض القبائل والمجتمعات المحلية تحتفظ بلغات خاصة بها تعود جذورها إلى آلاف السنين. وتصنف هذه اللغات ضمن اللغات السامية الجنوبية الحديثة، وهي لغات مستقلة وليست مجرد لهجات عربية، إذ تمتلك مفرداتها وقواعدها الخاصة.
ومن أشهر هذه اللغات اللغة الشحرية أو الجبالية المنتشرة في محافظة ظفار، ويتحدث بها عدد من أبناء القبائل في المناطق الجبلية. وتتميز هذه اللغة بثراء مفرداتها المرتبطة بالطبيعة والجبال والحياة التقليدية، مما يجعلها سجلاً حياً لذاكرة المكان وتاريخه.
كما توجد اللغة المهرية التي يتحدث بها بعض السكان في ظفار والمناطق القريبة من الحدود مع اليمن، وهي لغة ذات جذور تاريخية عميقة، حافظت على الكثير من خصائص اللغات السامية القديمة.
ومن اللغات الأخرى التي لا تزال موجودة في عُمان الحرسوسية التي يتحدث بها أبناء قبائل الحراسيس في المنطقة الوسطى، والبطحرية التي تعد من اللغات النادرة المهددة بالاندثار بسبب قلة عدد المتحدثين بها، إضافة إلى الهبيوتية التي تنتشر في بعض المناطق الحدودية.
أما في أقصى شمال السلطنة، وتحديداً في محافظة مسندم، فتوجد اللغة الكمزارية التي تعد حالة لغوية فريدة، إذ تحمل تأثيرات متعددة نتيجة التواصل البحري والتجاري الذي عرفته المنطقة عبر القرون.
إن هذه اللغات ليست مجرد وسائل للتخاطب، بل هي أوعية للتراث الشعبي والحكايات والأشعار والعادات والتقاليد التي توارثتها الأجيال. وكل لغة منها تمثل نافذة تطل على جانب من تاريخ الإنسان العُماني وعلاقته بالأرض والبحر والبيئة المحيطة به.
وفي عالم تتسارع فيه مظاهر العولمة، تبرز أهمية المحافظة على هذه اللغات وتوثيقها وتعليمها للأجيال القادمة، لأنها جزء من الذاكرة الوطنية والثروة الثقافية التي لا تقدر بثمن. فكل لغة تختفي تفقد البشرية معها صفحة من صفحات تاريخها، وكل لغة تحفظ تبقى شاهداً على تنوع الإنسان وإبداعه عبر العصور.
إن تنوع اللغات في عُمان ليس مجرد ظاهرة لغوية، بل هو دليل على عمق الحضارة العُمانية وقدرتها على احتضان الاختلاف وصون الموروث الثقافي، ليبقى هذا التنوع مصدر فخر واعتزاز للأجيال الحاضرة والقادمة.




