لا أحد يرى الحجارة… الجميع يرى البيت

كتبت : حنان المطوع

لا أحد يرى الحجارة… الجميع يرى البيت

وقفت يوماً أمام بيت جميل.

لم أكن أعرف صاحبه، ولا أعرف كم استغرق بناؤه، لكنني فعلت ما نفعله جميعاً حين نقف أمام شيء مكتمل… نظرت إلى النتيجة.

كان البيت شامخاً، متناسقاً، تبدو كل زاوية فيه وكأنها وضعت في مكانها منذ البداية. لم أرى الأرض حين كانت فارغة، ولم أرى أول حفرة حفرت فيه، ولا الغبار الذي ملأ المكان، ولا الجدار الذي ربما بني ثم هدم لأن شيئاً فيه لم يكن صحيحاً.

رأيت البيت فقط.

وفجأة خطر في بالي أننا نفعل الشيء نفسه مع البشر.

نلتقي بهم بعد أن تكتمل بعض حكاياتهم.

نرى الطبيب ولا نرى الليالي التي قضاها بين الكتب.

نرى الكاتب حين يحمل كتابه، ولا نرى الأوراق التي مزقها، ولا الكلمات التي كتبها ثم محاها، ولا ذلك اليوم الذي قرأ فيه ما كتب وشعر أن كل ما فعله لا يستحق أن يراه أحد.

نرى صاحب المشروع عندما ينجح، ولا نعرف كم مرة عاد إلى بيته وهو يحمل في رأسه سؤالاً واحداً: هل أخطأت حين بدأت؟

نرى امرأة قوية فنقول: يا لها من امرأة قوية.

ولا نسأل أبداً ما الذي اضطرها إلى أن تصبح كذلك.

وهنا أدركت شيئاً غريباً…

نحن نصل دائماً متأخرين إلى حكايات الآخرين.

نصل عندما يجف الطلاء، وتضاف النوافذ، وتفتح الأبواب، ثم نقف أمام البيت ونصدر أحكامنا.

هذا ناجح.

وهذا محظوظ.

وهذا عرف الطريق.

وهذا كانت أمامه الفرص.

لكن أين كنا عندما كان يحمل الحجارة؟

أين كنا عندما طرق باباً ولم يفتح له؟

عندما حاول ولم ينجح؟

عندما بدأ من جديد وهو يعرف تماماً مرارة البداية؟

أين كنا في تلك اللحظة التي جلس فيها وحده، لا يصفق له أحد، ولا يشجعه أحد، ولا توجد أمامه أي علامة تؤكد له أن الطريق الذي يسير فيه سيأخذه فعلًا إلى مكان يستحق كل هذا التعب؟

ربما هنا يكمن الجزء الذي لا نراه من النجاح.

فالنجاح في حقيقته لا يبنى في الأيام الكبيرة وحدها.

إنه يبنى في الأيام العادية جداً.

في صباح استيقظت فيه ولم تكن لديك رغبة في شيء، لكنك نهضت.

في مرة فشلت فيها ولم تخبر أحداً.

في كلمة قاسية سمعتها، ثم قررت ألا تجعلها تعريفاً لك.

في فرصة ضاعت منك، فظننت أنها النهاية، ثم اكتشفت بعد سنوات أنها أجبرتك على البحث عن طريق آخر.

في معرفة صغيرة تعلمتها.

في عادة غيرتها.

في خوف واجهته.

في مرة قلت فيها لنفسك: سأحاول مرة أخرى.

هذه كلها حجارة.

بعضها صغير إلى درجة أننا لا ننتبه إليه عندما نضعه.

لكن الحياة لها حساب مختلف.

هي لا تسأل دائماً عن حجم الحجرة، بل عن عدد المرات التي عدت فيها لتضع واحدة أخرى.

وهذا ربما هو السر الذي لا نراه حين نتأمل حياة إنسان وصل إلى مكان جميل.

نحن نبحث عن اللحظة التي غيرت حياته، بينما قد لا تكون هناك لحظة واحدة أصلاً.

قد تكون حياته تغيرت بمئة قرار صغير لم يبد أي واحد منها مهماً في وقته.

كتاب قرأه.

شخص آمن به.

وظيفة لم يحصل عليها.

خطأ دفع ثمنه.

خسارة جعلته يعيد ترتيب أولوياته.

باب أغلق في وجهه.

وكلمة سمعها مصادفة وظلت تسكن رأسه سنوات.

حتى الفشل نفسه قد يكون حجرة.

نحن فقط لا نحبه لأن شكله قبيح حين يصل.

لكن بعض أجمل الأشياء التي نبنيها في حياتنا قامت فوق أشياء تمنينا يوماً لو أنها لم تحدث.

ولعل أغرب ما في الأمر أن الإنسان أثناء البناء لا يعرف دائماً أنه يبني.

قد يظن أنه فقط يحاول النجاة من يوم صعب.

قد يظن أنه يبدأ من الصفر للمرة الثالثة.

قد يظن أن الآخرين سبقوه وأنه تأخر كثيراً.

ولا يعرف أن الصبر الذي يتعلمه الآن، والخبرة التي يكتسبها، والقدرة على النهوض التي تتكون داخله، كلها تدخل في أساس بيت لم يرى شكله بعد.

وهذا ما يجعلني أعيد التفكير في كلمة نقولها بسهولة عن الآخرين:

محظوظ.

ربما كان محظوظاً فعلًا، فالحظ موجود والفرص ليست متساوية بين الناس.

لكننا أحياناً نستعمل كلمة الحظ لأننا لم نحضر البدايات.

فالنتيجة التي وصلت إلينا جاهزة تخدعنا.

مثل طبق جميل يصل إلى المائدة فلا نفكر في المطبخ.

مثل مسرح مضاء لا نرى خلف ستارته عشرات الأشخاص الذين عملوا قبل أن ترفع الستارة.

ومثل بيت جميل نقف أمامه، ولا نعرف شيئاً عن أكوام الرمل والحجارة التي كانت هنا قبله.

وأنا أيضاً لدي حجارة لا يعرفها أحد.

ليست كلها انتصارات، وبعضها لا أحب حتى أن أتذكره.

هناك أشياء تمنيتها ولم تحدث، وأبواب حسبت أن وراءها مستقبلي ثم أُغلقت، ولحظات شككت فيها في الطريق وفي نفسي وفي جدوى الاستمرار.

لكنني حين أنظر خلفي اليوم، أكتشف أنني لم أخرج من تلك الأيام فارغة اليدين.

كل مرحلة تركت في يدي شيئاً.

مرة معرفة.

ومرة صبراً.

ومرة جرأة.

ومرة درساً قاسياً لم أكن لأتعلمه لو جاءت الأمور كما أردتها.

وربما لهذا لم أعد أنظر إلى الطريق بالطريقة نفسها.

لم أعد أعتقد أن النجاح لحظة وصول.

ولا أراه باباً سرياً يملك بعض الناس مفتاحه ويحرم منه الآخرون.

أراه بناءً طويلًا.

نضع فيه شيئاً من أحلامنا، وشيئاً من تعبنا، وشيئاً من أخطائنا، والكثير من الأيام التي لم يلاحظها أحد.

وقد تمر سنوات قبل أن يتضح لنا شكل ما كنا نبنيه.

لذلك، عندما ترى إنساناً نجح، لا تتعجل في قراءة الفصل الأخير وكأنك قرأت الكتاب كله.

ولا تجعل جمال البيت ينسيك الأرض التي كان عليها.

وربما الأهم من ذلك كله…

إذا كنت أنت الآن في منتصف البناء، فلا تحزن لأن أحداً لا يرى ما تفعله.

ليس ضرورياً أن يصفق الناس لكل حجرة تضعها.

وليس مطلوباً أن تبدو حياتك جميلة وهي تحت الإنشاء.

فأماكن البناء دائماً مليئة بالغبار والفوضى والأشياء غير المكتملة.

لكنها ليست خراباً.

إنها شيء جميل لم يكتمل بعد.

وسيأتي يوم يقف فيه أحدهم أمام ما بنيته، يتأمله للحظات، وربما يقول ببساطة:

كم كان محظوظاً.

ابتسم فقط.

فهو يرى البيت.

أما أنت…

فأنت وحدك تعرف عدد الحجارة

  • Related Posts

    تألق لافت للاعبي المنتخب في تصفيات بطولة هليوبوليس المفتوحة لكرة السرعة.

    كتب : نبيل امام بعد مضي يومين من المباريات المتتالية، وضح سيطرة لاعبي منتخب مصر لكرة السرعة وحفاظهم علي ترتيبهم من خلال تحقيق انتصارات متتابعة في منافسات فردي السيدات و…

    Read more

    Continue reading
    المعركة الصامتة داخل الإنسان

    كتبت : حنان المطوع من الغريب أن الإنسان يقضي عمره وهو يبحث عن عدوٍ خارجي يعلق عليه أخطاء العالم بينما أكثر المعارك ضجيجاً تدور بصمت داخله نحن نخاف من الأشخاص…

    Read more

    Continue reading

    You Missed

    تألق لافت للاعبي المنتخب في تصفيات بطولة هليوبوليس المفتوحة لكرة السرعة.

    تألق لافت للاعبي المنتخب في تصفيات بطولة هليوبوليس المفتوحة لكرة السرعة.

    الست لما… خرجت من السينما بفكرة لم أدخل بها.

    الست لما… خرجت من السينما بفكرة لم أدخل بها.

    لماذا أصبح الإنسان يخاف أن يبقى وحده مع أفكاره؟

    لماذا أصبح الإنسان يخاف أن يبقى وحده مع أفكاره؟

    «إنت ودماغك».. الكوميديا تلتقي بالمسرح على خشبة الهوسابير اليوم.

    «إنت ودماغك».. الكوميديا تلتقي بالمسرح على خشبة الهوسابير اليوم.

    المعركة الصامتة داخل الإنسان

    المعركة الصامتة داخل الإنسان

    الهلهولة… صوت الفرح الذي عبر آلاف السنين

    الهلهولة… صوت الفرح الذي عبر آلاف السنين