كتب : حنان المطوع

قصر لا يموت في إحدى زياراتي إلى مصر…
أرض الكنانة، كنت أسمع كثيراً عن قصر عابدين، وعن ذلك الجمال الذي تجاوز حدود القصور ليصبح قطعة من التاريخ تسكن قلب القاهرة.
كانوا يتحدثون عنه كما تروى الأساطير القديمة، مرة عن فخامته، ومرة عن حكايات الملوك التي ما زالت تدور في ممراته حتى اليوم.
وكنت أظن أن الوصف مبالغ فيه… حتى وقفت أمامه.
من اللحظة الأولى شعرت أنني لا أدخل قصراً عادياً، بل أعبر بوابة زمن آخر.
الواجهة المهيبة، والأبواب العالية، والنوافذ المزخرفة، كلها كانت توحي بأن هذا المكان لم يبن للحياة اليومية فقط، بل ليكون شاهداً على عصر كامل من العظمة والفن والسياسة.
كل زاوية داخل القصر كانت تحمل روحاً مختلفة، الثريات المتدلية من الأسقف بدت وكأنها نجوم معلقة في سماء ملكية، والنقوش الذهبية على الجدران كانت تتحدث بصمت عن ذوق أراد أن يجعل من المكان تحفة لا تشيخ.
أما القاعات، فكانت مزيجاً مدهشاً بين الفخامة الأوروبية والروح الشرقية، حتى إنك تشعر أن التاريخ هنا لا يقرأ… بل يرى ويلمس.
وحين كنت أسير بين الممرات الطويلة، كنت أتخيل كم من القرارات المصيرية خرجت من هذه الجدران، وكم من الشخصيات العظيمة مرت من هنا، من الخديوي إسماعيل إلى الملك فاروق، ومن زمن الملكية إلى اللحظات التي تغيرت فيها ملامح مصر الحديثة. كان القصر أشبه بكتاب مفتوح، كل غرفة فيه صفحة، وكل قطعة أثاث رواية كاملة.
أما الحديقة المحيطة بالقصر فكانت عالماً آخر من الهدوء والجمال، أشجار مرتبة بعناية، ونوافير تضيف للمكان هيبة هادئة، وكأن الطبيعة نفسها قررت أن تشارك هذا القصر عظمته.
هناك فقط فهمت لماذا يرتبط الجمال أحياناً بالصمت، لأن بعض الأماكن تربك الإنسان من شدة روعتها فلا يجد ما يقوله.ولم يكن المتحف المرافق أقل إبهاراً، فقد احتوى على مقتنيات نادرة وأسلحة وتحف وساعات ووثائق ملكية جعلتني أشعر أنني لا أزور متحفاً، بل أقترب من حياة كاملة كانت يوماً نابضة خلف هذه الجدران.
كل قطعة هناك كانت تحمل أثر يدٍ مرت من هنا، أو حكاية زمن لن يعود.خرجت من قصر عابدين وأنا أدرك أن بعض الأماكن لا تنسى مهما مر عليها الزمن، لأنها لا تمنحك مجرد زيارة، بل تمنحك شعوراً بأنك عشت لحظات داخل التاريخ نفسه. وقصر عابدين لم يكن مجرد معلم سياحي في القاهرة… بل كان ذاكرة وطن كاملة ترتدي ثرواتها من الجمال والفخامة.







