زهرة الخليج نيو : امرأة بنت زمناً من نور.

امرأة بنت زمناً من نور.

بقلم : حنان المطوع .

ليست كل الأسماء تمر في التاريخ مرور العابرين، فبعضها يولد ليصير ضوءاً، ويكبر ليصير اثراً، ويبقى ليصير زمناً قائماً بذاته. في زمنٍ كانت المدن تشاد بالحجارة، اختارت هي أن تشيد الإنسان، وأن تجعل من عطائها رسالةً لا ينطفئ سراجها. هذه حكاية امرأة لم تبحث عن الخلود، لكنها صنعته حين آمنت أن العلم هو الطريق الأقصر إلى الله، والأبقى في ذاكرة الأيام.

في مطلع القرن التاسع الميلادي، ولدت فاطمة بنت محمد الفهرية، الملقبة بأم البنين، في القيروان بتونس، تلك المدينة التي كانت يومها مناراتٍ للعلم ومجالساً للفقهاء والتجار وأهل البيان. نشأت في بيتٍ ميسور، يختلط فيه صوت التجارة بنداء المعرفة، وكان والدها رجلًا ناجحاً جمع بين سعة الرزق وحرص القلب على العلم، فشبت فاطمة في بيئةٍ تعرف قيمة المال، لكنها تؤمن أن أعظم قيمة له أن يتحول إلى أثرٍ باقٍ.

ومع تحولات الزمان واتساع آفاق الرزق، ارتحلت الأسرة إلى مدينة فاس في المغرب، ضمن موجة انتقالٍ من القيروان إلى تلك المدينة الصاعدة التي كانت تنمو علماً وتجارةً وعمراناً. لم يكن الرحيل هرباً من علمٍ إلى علم، فالقيروان نفسها كانت منارة، لكنه كان انتقالًا نحو أفقٍ جديد، حيث الفرص تتكاثر، والمدن تبنى بأحلام القادمين إليها.

وفي فاس، جرت أقدار الحياة كما تجري على البشر جميعاً؛ فقدت فاطمة والدها، ثم فقدت زوجها بحسب ما تروي بعض الأخبار، فآلت إليها وإلى أختها مريم ثروة كبيرة. هناك، في لحظةٍ يختبر الله فيها القلوب، اختارت فاطمة أن ترى في المال وسيلة لا غاية، وأن تجعل من الإرث رسالة. لم تفكر في قصرٍ يشاد ولا في جاهٍ يطلب، بل في صدقةٍ جارية تبقى حين يفنى كل شيء. أما أختها مريم فبنت مسجد الأندلسيين، وكأن الأختين تقاسمتا الخير كما تقاسمتا الحزن.

وفي عام 859 للميلاد، بدأت فاطمة بناء جامع القرويين في فاس، على نفقتها الخاصة، وأشرفت على أمره بنفسها، متابعةً تفاصيله بحب من يرى في الحجر رسالة. وتروى عنها حكاية صيامها طوال مدة البناء شكراً لله، وكأنها أرادت أن يكون المشروع عبادةً في الظاهر والباطن معاً. وسمي الجامع بالقرويين نسبةً إلى أهل القيروان الذين استقروا في فاس، فحمل الاسم حنين المكان الأول ووفاء الانتماء.

لم يلبث الجامع أن تجاوز حدود الصلاة، فصار مجلس علمٍ تتلى فيه آيات القرآن، وتشرح فيه كتب الفقه المالكي، وتروى الأحاديث، وتدرس اللغة العربية، ثم امتدت حلقاته إلى الرياضيات والفلك والطب وسائر المعارف. ومع مرور الأعوام، تبلورت ملامحه كمؤسسة علمية كبرى، لتغدو جامعة القرويين، التي تعد من أقدم الجامعات في العالم استمراراً في العمل، شاهدةً على أن فكرةً صادقة قد تعيش قروناً.

لم تعرف لنا تفاصيل كثيرة عن سنة وفاتها، لكن ما نعرفه يقيناً أن الأثر أطول عمراً من الجسد، وأن فاطمة الفهرية لم تكن امرأةً أنفقت مالها فحسب، بل كانت روحاً رأت أن أعظم بناء هو بناء الإنسان. ومن بين جدران القرويين، ظل اسمها يتردد همساً في صفحات التاريخ، كلما جلس طالب علمٍ تحت سقفٍ قامت نواته الأولى على قلب امرأة آمنت أن العلم هو الطريق الأوسع إلى الله، وإلى النهضة، وإلى الخلود الجميل.

وهكذا لم تكن فاطمة الفهرية سيرةً تروى فحسب، بل كانت فكرةً تمشي على الأرض ثم استقرت في جدرانٍ تنبض بالعلم. رحلت الجسد وبقي الأثر، وغاب الصوت وبقي الصدى يتردد في قاعات الدرس جيلاً بعد جيل. هناك، تحت سقفٍ رفعته بصدق نيتها، ما زال طالب علمٍ يفتح كتاباً، وكأن يدها ما زالت تمتد خفيةً لتبارك البدايات.

بعض النساء يعشن أعمارهن، وأخريات يصنعن أعماراً لغيرهن… وكانت هي امرأةً بنت زمناً من نور.

  • Related Posts

    قليل الأصل… وجهان لنفس الكلمة

    كتبت : حنان المطوع في العلاقات، احياناً يصير زعل، بعد، قطيعة، أو سوء فهم، وكل طرف يشوف نفسه على حق. كل واحد يعتقد أن الثاني هو اللي تغير، نسى، قصر،…

    Read more

    Continue reading
    من اعتاد أن يوزع الورد… حتماً سيظل عطره بيده

    كتبت : حنان المطوع ليس كل ما نعطيه يرحل عنا، فهناك أشياء كلما منحناها للآخرين ازدادت حضوراً في أرواحنا. كالوردة حين تهدى، قد تنتقل من يد إلى يد، لكن شيئاً…

    Read more

    Continue reading

    You Missed

    قليل الأصل… وجهان لنفس الكلمة

    قليل الأصل… وجهان لنفس الكلمة

    من اعتاد أن يوزع الورد… حتماً سيظل عطره بيده

    من اعتاد أن يوزع الورد… حتماً سيظل عطره بيده

    محمود باتيستا … حضور قوى وأدوار متنوعة على الشاشة المصرية

    محمود باتيستا … حضور قوى وأدوار متنوعة على الشاشة المصرية

    لكاف يوجه ضربة استباقية لاتحاد الكرة.

    لكاف يوجه ضربة استباقية لاتحاد الكرة.

    أجهزة يجب فصلها قبل مغادرة المنزل.

    أجهزة يجب فصلها قبل مغادرة المنزل.

    هل يتأثر صلاح.

    هل يتأثر صلاح.