كتبت : حنان المطوع

كانت الوعود بينهما لا تكتب على الورق، بل تقال بنظرات صادقة تحمل أكثر مما تبوح به الكلمات. كان اللقاء بينهما مؤجلًا، مؤجلًا بحكم المسافات، وبحكم تلك التفاصيل الصغيرة التي تعيق ما تشتاق إليه القلوب. ومع ذلك، كان في الانتظار دفء غريب، كأن كل لحظة تمر تزيد الشوق نقاءً لا وجعاً.كانت هي تعيش أيامها على إيقاع اسمه، تراه في تفاصيل الصباح حين تتسلل أشعة الشمس من نافذتها، وتسمع صوته في الأغاني القديمة التي تعيدها إلى حلم لم يتحقق بعد. لم يكن غيابه نقصاً، بل حضوراً من نوع آخر، حضوراً يتسلل في الوقت، في الذكريات، في الدعوات التي تهمس بها ليلًا قبل أن تغفو.أما هو، فكان يعيش بين ضجيج الحياة، يحاول أن يبدو قوياً أمام كل ما يفرق بينهما. لكن اسمه في فكرها لم يغادره لحظة، كأنها تسكن في أحد أركان روحه، توقظه في الصمت، وتربت على وجعه في الخفاء. كلما ضاق به العالم، تذكر وعدها، وعد اللقاء الذي لم يأت بعد، فيبتسم رغم الحنين، كمن يؤمن بأن الانتظار في بعض الأحيان شكل آخر من أشكال الوفاء.كانت رسائلهما القليلة تختصر آلاف المشاعر. جمل قصيرة، لكنها مشبعة بصدقٍ يجعلها أكثر من كلمات. “قريباً سنلتقي”.. عبارة يكتبها لها دايماً، فتغلق عينيها وتصدقها بكل قلبها، كأنها تمسك بتلك الجملة لتقاوم بها الغياب. لم تكن تخاف من الانتظار، بل كانت تخاف فقط أن يبرد الحلم، أن يخفت في زحمة الأيام. لكن شيئاً في داخلها كان يقول إن هذا اللقاء يستحق أن يؤجل ، لأن الأقدار الجميلة لا تأتي على عجل.وفي إحدى الليالي، حين كانت السماء تمطر بخفة، أرسل لها رسالة قصيرة كتب فيها: “حين نلتقي، سأحدثك عن كل لحظة كنت فيها معي دون أن تكوني بجانبي.” قرأت كلماته، ودمعت عيناها من فرط الشوق، لكنها ابتسمت… فهناك نوع من الفرح لا يأتي من اللقاء، بل من الإحساس بأن أحدهم ما زال ينتظرك بنفس اللهفة.ومرت الأيام، وتبدلت الفصول، لكن الوعد ظل حيا. لم يكن بينهما موعد محدد، ولا مكان ينتظر، فقط يقين يسكن القلب بأن اللقاء سيأتي في وقته، حين تكون الأرواح مهيأة لأن تلتقي بسلام. كانا يؤمنان أن الحب الصادق لا يشيخ بالبعد، بل ينضج، يكبر كما يكبر الضوء في آخر النفق.وفي صباح يشبه البداية، استيقظا على الإحساس ذاته: أن المسافات مهما طالت، فإن القلب يعرف طريقه إلى من يحب. لم يكن اللقاء بعد، لكنه بات قريباً بما يكفي ليشعر به كل منهما في نبضه.وحين يصبح اللقاء وعداً مؤجلًا، لا يعني أن الحكاية ناقصة، بل أنها ما زالت تكتب على مهل، بخيوط من الصبر والحنين والإيمان بأن ما كتب أن يكون، سيجد طريقه مهما طال الغياب.ربما لم يلتقيا بعد، لكن كليهما أدرك أن اللقاء الحقيقي ليس في العيون، بل في صدق الشعور الذي يبقى رغم المسافات. فبعض الوعود، حين تتأجل، لا تموت… بل تزداد جمالاً لأنها انتظرت القلب المناسب للحظة المناسبة.






