كتبت : حنان المطوع

يقول المثل الإيطالي الشهير: «حلاوة الأشياء في ندرتها»، وهي حكمة تختصر جانباً كبيراً من أسرار الحياة. فليس كل ما هو متوافر يثير الشغف، وليس كل ما هو كثير يترك الأثر ذاته في النفوس، بل إن بعض الأشياء تزداد جمالاً كلما أصبحت أقل حضوراً وأكثر ندرة.فالإنسان بطبيعته يعتاد ما يراه كل يوم، حتى يكاد يفقد إحساسه بقيمته. يعتاد الصحة حتى ينسى نعمة العافية، ويعتاد الوقت حتى يبدده دون انتباه، ويعتاد وجود الأحبة حتى يظن أنهم سيبقون دائماً إلى جواره. لكن ما إن تغيب تلك النعم أو تبتعد، حتى يدرك مقدار ما كانت تمنحه لحياته من دفء ومعنى.ولعل أجمل ما في الحياة هو تلك الأشياء التي لا تتكرر كثيراً. لقاء عابر مع صديق قديم، كلمة صادقة تأتي في وقتها المناسب، لحظة فرح مفاجئة وسط زحام الأيام، أو ذكرى جميلة تعود إلى القلب فتملؤه بالحنين. هذه التفاصيل الصغيرة قد لا تدوم طويلاً، لكنها تبقى في الذاكرة سنوات طويلة لأنها جاءت نادرة وصادقة.إن الندرة لا تصنع القيمة دائماً، لكنها تكشفها. فهي تجعلنا نتوقف لنرى ما حولنا بعين أكثر تقديراً، وتذكرنا بأن ما نملكه اليوم قد يصبح غداً مجرد ذكرى. لذلك فإن أجمل ما يمكن أن نتعلمه من هذه الحكمة هو ألا ننتظر الفقد حتى ندرك قيمة الموجود، وألا نؤجل الامتنان لما بين أيدينا حتى يصبح بعيد المنال.فالحياة ليست سباقاً نحو المزيد بقدر ما هي قدرة على تقدير ما نملك. والسعادة ليست في كثرة الأشياء من حولنا، بل في قدرتنا على الشعور بقيمتها. وعندما ندرك ذلك، سنكتشف أن أجمل النعم هي تلك التي نحسن رؤيتها قبل أن تغيب، ونحسن شكرها قبل أن تصبح جزءاً من الماضي.وهكذا يبقى هذا المثل الإيطالي درساً رقيقاً يهمس في آذاننا بأن بعض الأشياء تزداد جمالاً كلما ندرت، وأن القلوب لا تتعلق بالكثرة، بل بما يترك فيها أثراً صادقاً وعميقاً. فليس كل ما يملأ حياتنا يملأ قلوبنا، لكن بعض اللحظات العابرة، وبعض الوجوه المحببة، وبعض الذكريات الجميلة، تكفي لتمنح العمر كله معنى لا يزول.






