جرحتني “حبة سكر”…

كتبت : حنان المطوع .

لم يكن أحد يتوقع أن شيئاً صغيراً بهذا الشكل يمكن أن يفتح كل هذه الأسئلة في داخلي.

كنت أجلس معها، حديث عادي ككل مرة، لكن شيئاً ما في نبرتها كان مختلفاً… كان هناك ذلك الإصرار الخفي، ذلك التمسك بالرأي وكأنه جدار لا يمكن الاقتراب منه. حاولت أن أشرح، أن أهدئ، أن أترك مساحة بسيطة للهواء بيننا، لكنها كانت تزداد صلابة مع كل كلمة.

قالت لي وهي تنظر بعيداً:
“أنا لا أتراجع عندما أكون مقتنعة.”

ابتسمت بهدوء وقلت:
“وأنا لا أطلب منك التراجع… فقط أن نلتقي في منتصف الطريق.”

سكتت لحظة، لكن الصمت لم يكن هادئاً… كان مشحوناً بشيء يشبه الزجاج حين يوشك أن ينكسر. ثم قالت:
“أحياناً المنتصف يعني أن أخسر نفسي.”

توقفت. لم أجد رداً سريعاً. ليس لأنني لا أملك جواباً، بل لأنني شعرت أن الكلمات هنا لا تصلح شيئاً… هناك شيء أعمق من النقاش، شيء يشبه الجفاف حين ينسحب من الروح.

وفي داخلي، خطر لي سؤال غريب:
هل نحن حين نتمسك بأنفسنا أكثر من اللازم… نصبح قساة دون أن نشعر؟

تذكرت حينها فكرة بسيطة… السكر، ذلك الشيء الذي يذوب ليعطي طعماً، لا يقاوم الماء، لا يتصلب، لا يفرض نفسه، ومع ذلك هو الذي يمنح الحياة حلاوتها.

نظرت إليها وقلت بهدوء:
“تخيلِي لو أن السكر قرر أن يبقى قطعة صلبة لا تذوب… هل كان سيحلي شيئاً؟ أم كان سيبقى حجراً صغيراً جميل الشكل فقط؟”

لم ترد مباشرة. لكن عينيها تغيرتا قليلًا… كأن السؤال دخل مكاناً لم تصله الكلمات قبلًا.

اقتربت أكثر، ليس جسداً… بل معنى:
“نحن أحياناً نتحول إلى شيء حاد ونحن نظن أننا نحمي أنفسنا… بينما في الحقيقة نحن نجرح من نحب.”

ابتسمت ابتسامة خفيفة، وقالت بصوت أقل حدة:
“وإذا ذبت… هل أبقى أنا؟”

أجبتها:
“بل تصبحين أنتِ بشكلٍ آخر… أخف، أهدأ، وأقرب لمن حولك.”

سكتنا معاً. لم يكن هناك انتصار لأحد، ولا هزيمة. فقط ذلك التحول الصغير الذي لا يرى، لكنه يشعر به القلب.

وفي تلك اللحظة أدركت أن أقسى ما فينا ليس الخلاف… بل حين نصر أن نبقى صلبين حتى ونحن نخسر الدفء حولنا.

وغادرت وأنا أفكر…
بأن الحلاوة ليست في أن نكون أقوياء دائماً…
بل في أن نعرف متى نلين، كي لا نجرح من نحب… حتى لو كنا “حبة سكر”.

  • Related Posts

    بوابة السلام … وسر الحادي عشر من نوفمبر

    كتبت : حنان المطوع في عالم يموج بالأسرار والرموز، يبقى الرقم 11:11 أحد أكثر الظواهر التي تستوقف الإنسان وتثير بداخله شعوراً غامضاً لا يخلو من الدهشة، وكأن للكون رسالة خفية…

    Read more

    Continue reading
    كيف غير الذكاء الاصطناعي طريقة تفكيرنا؟

    كتبت : حنان المطوع في عالم اليوم، أصبح الذكاء الاصطناعي جزءاً لا يتجزأ من حياتنا. لم يعد مجرد أداة لأداء المهام، بل أصبح شريكاً في التفكير واتخاذ القرارات، وساحة جديدة…

    Read more

    Continue reading

    You Missed

    بوابة السلام … وسر الحادي عشر من نوفمبر

    بوابة السلام … وسر الحادي عشر من نوفمبر

    كيف غير الذكاء الاصطناعي طريقة تفكيرنا؟

    كيف غير الذكاء الاصطناعي طريقة تفكيرنا؟

    منتخب بلجيكا يتخذ قرارًا غريبا وغير معتاد بعد مباراة مصر في كأس العالم

    منتخب بلجيكا يتخذ قرارًا غريبا وغير معتاد بعد مباراة مصر في كأس العالم

    مباريات دور المجموعات لكأس العالم FIFA 2026

    مباريات دور المجموعات لكأس العالم FIFA 2026

    تعرف على المنتخبات المتأهلة إلى كأس العالم ™FIFA 2026.

    تعرف على المنتخبات المتأهلة إلى كأس العالم ™FIFA 2026.

    متى موعد كأس العالم 2026؟

    متى موعد كأس العالم 2026؟