بهلول… حين كان «المجنون» أعقل من الجميع

كتبت : حنان المطوع

أحياناً لا يحتاج الإنسان إلى أن يكون صاحب منصب حتى يخشاه أصحاب المناصب، ولا إلى أن يحمل سيفاً حتى تصبح كلماته أشد وقعاً من السيوف.

يكفي أحياناً أن يقول الحقيقة.

لكن قول الحقيقة أمام الأقوياء لم يكن يوماً أمراً سهلاً.

ولهذا ربما كان بهلول واحداً من أغرب الرجال الذين حفظتهم الذاكرة العربية؛ رجل اختلف الناس فيه، أكان وجنوناً بالفعل أم أن وراء ذلك الجنون عقلاً يرى الدنيا بطريقة مختلفة؟

كانوا يرونه في الطرقات بثياب بسيطة، يجلس حيث لا يجلس أصحاب المكانة، ويتحدث بطريقة تجعل من يسمعه يضحك أولاً… ثم يصمت ويفكر.

اسمه بهلول بن عمرو.

عاش في زمن هارون الرشيد، لكن الغريب أن الناس لم يتذكروا قصوره ولا ثيابه ولا ماله، وإنما تذكروا كلماته.

كان بهلول يمتلك موهبة نادرة: أن يضع الحكمة الكبيرة داخل جملة صغيرة.

تقول إحدى أشهر الحكايات القديمة عنه إن هارون الرشيد مر به يوماً، فأراد أن يسمع منه موعظة.

تخيل المشهد.

خليفة تحيط به الهيبة والحاشية، وأمامه رجل لا يملك شيئاً تقريباً.

كان يستطيع أن يمدحه، وكان يستطيع أن يطلب مالًا، وكان يستطيع أن يقول كلاماً طويلًا يرضي الخليفة.

لكنه فعل ما يشبه بهلول وحده.

لفت نظره إلى القصور من ناحية، وإلى القبور من ناحية أخرى.

وكأنما أراد أن يقول له دون خطبة طويلة:

انظر جيداً…

هناك ما يبنيه الإنسان طوال عمره، وهناك المكان الذي سيترك من أجله كل ما بناه.

القصور والقبور.

كم تبدو المسافة بينهما بعيدة، وكم هي قصيرة في عمر الإنسان.

أعجب هارون الرشيد بكلامه، وعرض عليه أن يقضي عنه ديناً، لكن بهلول لم ير في مال الخليفة حلًا لمشكلته، ثم عرض عليه رزق دائم.

وهنا يظهر ذلك الرجل الذي أحب الناس حكاياته.

فالمعنى الذي حمله جوابه كان بسيطاً وعجيباً في الوقت نفسه:

كيف يرزق الله الخليفة وينسى بهلول؟

لم يكن السؤال عن المال أصلًا.

كان عن الثقة.

ومن هنا نفهم لماذا بقي اسم هذا الرجل حياً كل هذه القرون.

بهلول لم يكن حكيماً يجلس في مجلس فاخر ينتظر الناس حتى يأتوا إليه. كانت حكمته تمشي في الأسواق والطرقات، وتجلس بجوار الفقراء، وتدخل أحياناً إلى مجالس الخلفاء دون أن تستأذن من هيبة أحد.

ومع مرور الزمن، بدأت الحكايات تلتف حول اسمه.

أصبح كل جواب شديد الذكاء ينسب إلى بهلول، وكل موقف ساخر يبحث الناس له عن بطل وجدوا الرجل المناسب.

ومن أجمل تلك الحكايات المتداولة قصة الأسئلة التي تبدو مستحيلة في ظاهرها.

قيل إن سؤالاً طرح:

إذا جاء النهار، فأين يذهب الليل؟

وإذا جاء الليل، فأين يذهب النهار؟

سؤال بسيط يستطيع طفل أن يقوله، لكنه يحمل وراءه مساحة هائلة للتفكير.

فالإنسان اعتاد أن يرى الأشياء إما موجودة أمامه أو غائبة عنه، فيتصور أن الغائب لا بد أن يكون قد ذهب إلى مكان ما.

لكن الليل والنهار لا يقفان عند باب السماء ينتظر أحدهما خروج الآخر.

نحن الذين ننتقل بين الضوء والظلام.

واليوم نعرف أن دوران الأرض هو الذي يجعل أجزاء منها تواجه الشمس بينما تغيب عنها أجزاء أخرى، لكن جمال السؤال القديم أنه جعل الإنسان يفكر في شيء يراه كل يوم دون أن يتوقف أمامه.

ولأن مثل هذه الحكايات نقلت شفهياً وأضيف إليها الكثير عبر الزمن، فلا نستطيع أن نجزم بأن هذا السؤال قيل لبهلول فعلًا.

لكن ربما كان هناك سبب جعل الناس يختارون بهلول بالذات ليكون بطلاً لمثل هذه القصص.

لقد أصبح رمزاً للعقل الذي يسأل بطريقة مختلفة.

ومن الحكايات التي التصقت باسمه أيضاً أنه كان أحياناً يجلس عند المقابر.

قد يمر به إنسان فيسأله مستغرباً:

لماذا تجلس هنا؟

والجواب في حكايات بهلول لا يأتي كما نتوقع.

فالمقابر بالنسبة إليه لم تكن مكاناً للصمت فقط، بل مكاناً لا يكذب فيه أحد، ولا يتفاخر أحد على أحد، ولا يستطيع غني أن يخبر فقيراً كم يملك.

هناك تنتهي الألقاب.

وربما لهذا كان بهلول في القصص يسخر من أشياء نتعامل معها نحن بمنتهى الجدية.

المال.

المنصب.

المظاهر.

المديح.

كان ينظر إليها وكأنه يعرف سراً لا نريد نحن أن نعترف به:

أننا سنتركها جميعاً.

والأجمل أن بهلول لم يكن يقدم حكمته في صورة مواعظ ثقيلة.

كان يضحك.

يسخر.

يقلب السؤال على صاحبه.

ثم يمضي.

ويبقى الآخر واقفاً يفكر في الجملة التي سمعها.

وهنا تكمن المفارقة التي صنعت أسطورته.

الناس أطلقوا عليه «بهلول المجنون»، لكن الحكايات التي حفظوها عنه جعلت المجنون يسأل، والعقلاء يعجزون عن الإجابة.

وربما لهذا لا يهم كثيراً بعد كل هذه القرون أن نعرف أين تنتهي حقيقة بهلول وأين تبدأ الحكاية التي نسجها الناس حوله.

الأهم أن الناس احتاجوا إلى شخصية مثله.

شخص لا تغريه القصور، ولا تخيفه الألقاب، ولا يحتاج إلى مجلس حتى يصبح حكيماً.

رجل يستطيع أن يقف أمام صاحب سلطان، وينظر إلى ما وراء التاج والمال والهيبة، ثم يذكره بأن الطريق الذي يبدأ عند القصر قد ينتهي، مثل كل الطرق، عند قبر صغير.

قالوا عنه مجنوناً.

وربما كان أسهل على الناس أن يسموه كذلك.

لأن الاعتراف بأنه كان عاقلاً يترك أمامنا سؤالاً أصعب بكثير:

إذا كان بهلول هو المجنون…

فمن كان العاقل؟

  • Related Posts

    حين يزعجهم نجاحك

    كتبت : حنان المطوع مررت في حياتي بمواقف كثيرة جعلتني أفهم أن بعض الناس لا يحاولون التقليل منك لأنك أقل منهم، بل أحياناً لأن نجاحك يزعجهم. في البداية كنت أبحث…

    Read more

    Continue reading
    تألق لافت للاعبي المنتخب في تصفيات بطولة هليوبوليس المفتوحة لكرة السرعة.

    كتب : نبيل امام بعد مضي يومين من المباريات المتتالية، وضح سيطرة لاعبي منتخب مصر لكرة السرعة وحفاظهم علي ترتيبهم من خلال تحقيق انتصارات متتابعة في منافسات فردي السيدات و…

    Read more

    Continue reading

    You Missed

    حين يزعجهم نجاحك

    حين يزعجهم نجاحك

    تألق لافت للاعبي المنتخب في تصفيات بطولة هليوبوليس المفتوحة لكرة السرعة.

    تألق لافت للاعبي المنتخب في تصفيات بطولة هليوبوليس المفتوحة لكرة السرعة.

    الست لما… خرجت من السينما بفكرة لم أدخل بها.

    الست لما… خرجت من السينما بفكرة لم أدخل بها.

    لماذا أصبح الإنسان يخاف أن يبقى وحده مع أفكاره؟

    لماذا أصبح الإنسان يخاف أن يبقى وحده مع أفكاره؟

    «إنت ودماغك».. الكوميديا تلتقي بالمسرح على خشبة الهوسابير اليوم.

    «إنت ودماغك».. الكوميديا تلتقي بالمسرح على خشبة الهوسابير اليوم.

    المعركة الصامتة داخل الإنسان

    المعركة الصامتة داخل الإنسان