بابا الفتوح.

كتبت : حنان المطوع .

في صباح يوم الجمعة، ذلك اليوم الذي يحمل سكوناً خاص لا يشبه بقية الأيام، نلتقي من جديد مع حكايةٍ أخرى وموقعٍ جديد من قلب شارع المعز لدين الله الفاطمي، حيث لا تزال التفاصيل القديمة تنبض وكأنها لم تغادر الزمن.

باب الفتوح ليس مجرد بوابة من حجر، بل هو لحظة عبور بين زمنين… كأنك حين تقف أمام باب الفتوح لا ترى الجدار فقط، بل تسمع وقع خطواتٍ قديمة لم تغادر المكان بعد. هناك، عند بداية الطريق، كان الشمال يأتي بكل ما فيه: رياح باردة تحمل أخبار الغزوات، وقوافل متعبة تبحث عن الأمان، ووجوه غريبة تدخل مدينة كانت تشبه الحلم أكثر مما تشبه الواقع.

شيد الباب ليكون حارساً، لكنه مع الوقت صار شاهداً… على الخوف حين كان الجنود يتأهبون فوق أبراجه، وشاهداً على الطمأنينة حين كانت القوافل تمر ببطء، كأنها تسلم قلبها للمدينة. حجارة الباب ليست صماً كما نظن، هي تحفظ الهمسات، تحفظ الدعوات التي كانت تقال سراً عند العبور، تحفظ تلك اللحظة التي كان فيها الداخل إلى القاهرة يشعر أنه يترك وراءه شيئاً، وربما يجد في الداخل شيئاً آخر لا يشبهه.

والغريب، وربما هذه من التفاصيل التي لا ينتبه لها كثيرون، أن تصميم البرجين الدائريين لم يكن فقط لأجل القوة العسكرية، بل ليربك القادم قبل أن يدخل… كانت الزوايا المنحنية تجعل الصوت يتردد بشكل مختلف، فيشعر الغريب بأن المكان أكبر مما هو عليه، وكأن الباب يتعمد أن يختبر رهبة الداخلين إليه قبل أن يسمح لهم بالعبور. حتى الضوء حين ينساب عبر فتحاته، لا يدخل دفعة واحدة، بل يتكسر على الجدران كأنه يتردد، كأنه يسأل: هل أنت مستعد لما خلفي؟

وفي ليالي القاهرة القديمة، حين يهدأ كل شيء، يقال إن الباب كان يبدو وكأنه يتنفس… ليس خيالًا خالصاً، بل لأن الهواء حين يمر عبر فتحاته العلوية يصدر صوتاً خافتاً يشبه الزفير، وكأن المدينة نفسها كانت تراقب من يدخل إليها ومن يخرج منها. ربما لهذا السبب، كان البعض يتوقف لحظة قبل العبور، ليس خوفاً… بل إحتراماً.

باب الفتوح لم يكن فقط بداية طريق، بل كان بداية شعور… شعور بأنك على وشك أن تدخل حكاية، وأن كل من مر من هنا ترك أثراً لا يرى، لكنه لا يختفي. وحتى اليوم، إن وقفت تحته بصمت، قد تشعر بشيء غريب… كأن المكان يعرفك، أو كأنك مررت من هنا في زمنٍ لم تعشه، لكنه لا يزال يسكنك.

وتمضي الحكاية… ولا تنتهي، ففي شارع المعز لا يوجد مكان صامت، بل كل زاوية تهمس باسمها لمن يقترب. على أمل أن نلتقي في الجمعة القادمة، لنكمل الرحلة مع موقعٍ تاريخي جديد، ونفتح بابًا من أبواب الذاكرة التي لا تغلق.

  • Related Posts

    التسامح قوة الروح الإنسانية

    كتبت : حنان المطوع في لحظة من لحظات التأمل، أجد نفسي أمام قرار التسامح. قرار صعب، ولكنه ضروري لكي نستطيع أن نعيش حياتنا بسلام وطمأنينة. التسامح هو قوة الروح الإنسانية…

    Read more

    Continue reading
    حين يزعجهم نجاحك

    كتبت : حنان المطوع مررت في حياتي بمواقف كثيرة جعلتني أفهم أن بعض الناس لا يحاولون التقليل منك لأنك أقل منهم، بل أحياناً لأن نجاحك يزعجهم. في البداية كنت أبحث…

    Read more

    Continue reading

    You Missed

    من مسقط إلى ويندسور… حين يتحدث التاريخ بلغة الملوك

    من مسقط إلى ويندسور… حين يتحدث التاريخ بلغة الملوك

    قرعة نارية لكأس مصر 2026-2027.. الأهلي والزمالك على طريق المنافسة وبيراميدز يسعى للحفاظ على اللقب

    قرعة نارية لكأس مصر 2026-2027.. الأهلي والزمالك على طريق المنافسة وبيراميدز يسعى للحفاظ على اللقب

    «مياه القاهرة» تقود تحالفًا مجتمعيًا لترسيخ ثقافة ترشيد الاستهلاك للمياه

    «مياه القاهرة» تقود تحالفًا مجتمعيًا لترسيخ ثقافة ترشيد الاستهلاك للمياه

    أبو قرن الكبير… حين يصبح الحب نافذة في جذع شجرة

    أبو قرن الكبير… حين يصبح الحب نافذة في جذع شجرة

    أكثر من 300 رسالة أمل للمكفوفين.. الدكتور محمد الحوسني يقود مبادرة عربية تصنع «نقطة تحول» في مصر.

    أكثر من 300 رسالة أمل للمكفوفين.. الدكتور محمد الحوسني يقود مبادرة عربية تصنع «نقطة تحول» في مصر.

    مجدي يعقوب… الرجل الذي لم يكتفِ بإصلاح القلوب، بل أعاد إليها الأمل

    مجدي يعقوب… الرجل الذي لم يكتفِ بإصلاح القلوب، بل أعاد إليها الأمل