قهوة بلا سكر… وذكريات ما زالت حلوة

كتبت : حنان المطوع

هناك أشياء في الحياة لا تحتاج إلى كثير من الزينة لتكون جميلة. فنجان قهوة سادة، جلسة هادئة، وصمت يملؤه صوت الذكريات… أحياناً تكون هذه اللحظات أغنى من أي احتفال صاخب.

الغريب أن القهوة، كلما كانت أكثر مرارة، أيقظت فينا أجمل ما كان. رائحتها لا تملأ المكان فقط، بل تفتح أبواباً ظننا أنها أغلقت منذ سنوات. فجأة نتذكر وجهاً غاب، وضحكة ما زالت تعيش في الذاكرة، ورسالة احتفظ بها القلب أكثر مما احتفظت بها الأوراق.

نشرب القهوة اليوم بلا سكر، لكننا نكتشف أن الذكريات هي التي تحليها. ليست لأن الماضي كان كاملاً، بل لأنه أصبح جزءاً منا. فيه لحظات فرح، وفيه دموع، وفيه أشخاص مروا في حياتنا ثم مضوا، لكنهم تركوا أثراً لا يمحوه الزمن.

ومع مرور العمر، تتغير أشياء كثيرة. تتبدل المدن، وتتغير الوجوه، وتختفي بعض الأصوات. لكن هناك ذكريات ترفض الرحيل، وكأنها اختارت أن تعيش معنا إلى الأبد. تزورنا بلا موعد، يكفيها فنجان قهوة أو أغنية قديمة لأم كلثوم أو رائحة مطر أو عطر حتى تعود بكل تفاصيلها.

ولعل أجمل ما في الذكريات أنها لا تعيد لنا الماضي كما كان، بل تعيد إلينا أنفسنا كما كنا. تذكرنا بأحلامنا الأولى، وببساطتنا، وبالأيام التي كنا نظن أنها عادية، ثم اكتشفنا متأخرين أنها كانت أجمل أيام العمر.

ليس كل ما مضى يستحق أن نعود إليه، لكن هناك لحظات نستحق أن نبتسم كلما مرت بخاطرنا، لأنها صنعت الإنسان الذي نحن عليه اليوم.

فلا بأس أن تشرب قهوتك سادة… إذا كانت ذكرياتك ما زالت قادرة على أن تمنحها طعماً لا يستطيع السكر أن يضيفه.

الحقيقة أن الذكريات لا تعيش في الماضي كما نظن، بل نحن الذين نعود إليها كلما مررنا بالمكان نفسه، أو سمعنا الصوت نفسه، أو ارتشفنا فنجان القهوة نفسه. لذلك لا تقاس الحياة بما مضى من سنوات، بل بما بقي حياً في القلب. فالعمر يمضي بلا استئذان… أما الذكريات الصادقة، فهي الشيء الوحيد الذي ينتصر على الزمن، ويمنح الأيام التي رحلت حياةً لا تنتهي.

  • Related Posts

    قصر البارون… حين خرجت مدينة من قلب الصحراء

    كتبت : حنان المطوع في بداية القرن العشرين، كانت المنطقة التي نعرفها اليوم باسم مصر الجديدة امتداداً واسعاً من الصحراء على أطراف القاهرة. لا شوارع مزدحمة، ولا عمارات، ولا ذلك…

    Read more

    Continue reading
    مدرسة مياه الشرب والصرف الصحي بمسطرد تُحيي روح أكتوبر في نفوس طلابها بزيارة إلى بانوراما حرب 1973

    كتب : محمود هاشم في إطار حرصها على تعزيز قيم الانتماء الوطني وترسيخ الوعي بتاريخ مصر وبطولاتها العسكرية، نظّمت المدرسة الثانوية الفنية لمياه الشرب والصرف الصحي بمسطرد زيارة لطلابها إلى…

    Read more

    Continue reading

    You Missed

    قصر البارون… حين خرجت مدينة من قلب الصحراء

    قصر البارون… حين خرجت مدينة من قلب الصحراء

    مدرسة مياه الشرب والصرف الصحي بمسطرد تُحيي روح أكتوبر في نفوس طلابها بزيارة إلى بانوراما حرب 1973

    مدرسة مياه الشرب والصرف الصحي بمسطرد تُحيي روح أكتوبر في نفوس طلابها بزيارة إلى بانوراما حرب 1973

    «أمنيات لرعاية وتأهيل أصحاب الهمم» يكرّم نخبة من الإعلاميين وصنّاع المحتوى في دبي

    «أمنيات لرعاية وتأهيل أصحاب الهمم» يكرّم نخبة من الإعلاميين وصنّاع المحتوى في دبي

    التسامح قوة الروح الإنسانية

    التسامح قوة الروح الإنسانية

    من فكرة سينمائية إلى مهرجان دولي.. هارون رشيد يطلق «عبر الثقافات» للأفلام القصيرة في ألمانيا

    من فكرة سينمائية إلى مهرجان دولي.. هارون رشيد يطلق «عبر الثقافات» للأفلام القصيرة في ألمانيا

    «إشادة من أعلى مستوى».. مدرسة مياه الشرب بمسطرد تتألق في الجودة وتحصل على الضوء الأخضر للتقدم للاعتماد

    «إشادة من أعلى مستوى».. مدرسة مياه الشرب بمسطرد تتألق في الجودة وتحصل على الضوء الأخضر للتقدم للاعتماد