غذاء الروح.

كتبت : حنان المطوع.

في زحمة الأيام وتسارع اللحظات، يمر الإنسان بتقلبات لا ترى، احياناً يشعر بأنه تائه رغم أنه يعرف طريقه، مرهق رغم أنه لم يبذل جهداً كبيراً، حزين رغم أن لا شيء يدعو للحزن. يضحك في وجه الناس ويؤدي مهامه ويعيش حياته، لكنه في الداخل يشعر بفراغ لا يوصف. ذلك الفراغ، يا صديقي، ليس سببه قلة نوم أو تعب جسدي، بل هو ببساطة “جوع الروح”.

الروح، هذا الكائن الخفي في داخلنا، لا يصدر صوتاً حين يتألم، ولا يقرع أجراس الإنذار حين يضعف. لكنك تشعر به، تشعر أن شيئا ما ليس على ما يرام، وأن الحياة أصبحت بلا طعم، بلا لون، بلا دفء. تتكرر الأيام وتتشابه اللحظات، وكل شيء يبدو وكأنه يدور في حلقة مفرغة، تفتح عينيك صباحاً ولا تدري لماذا تنهض، وتمضي ليلك تحدق في السقف دون أن تعرف سبب الأرق. ربما كنت تعتقد أن الحل في تغيير المكان، أو الوظيفة، أو العلاقات. لكنك في أعماقك تعرف أن المسألة أعمق من ذلك. إن ما ينقصك ليس شيئاً من الخارج، بل هو شيء في الداخل… إنه غذاء الروح.

وغذاء الروح لا يشترى من متجر، ولا يرسل في طرد بريدي، بل يستلهم ويستشعر. ربما يكون في لحظة سجود خاشعة، في دعاء صادق وسط صمت الليل، أو في قراءة لآية توقظ فيك يقينا كان خ. وقد يكون في لحظة صمت بعيداً عن ضجيج الناس، حين تجلس وحدك تسمع صوت أفكارك وتدعها تهمس لك بما تحاول الهروب منه. وقد يكون في كلمة طيبة من قلب صادق، أو حضن يحتويك دون شروط، أو دعاء يهمس به أحدهم باسمك في غيابك.

غذاء الروح ايضاً في العطاء، حين تمسح دمعة أحدهم دون أن تنتظر شكراً، في أن تعطي دون أن تنقص، في أن تكون سبباً في ابتسامة أو راحة قلب. حتى الأفعال والكلمات التي نقولها، تملك روحاً تتغذى على النية. هو ايضاً في الجمال، في أن تقف أمام البحر وتراقب الموج، أو تتأمل وردة، أو تستمع لموسيقى تداعب شعورك، أو تقرأ بيت شعر يعيد ترتيب فوضاك الداخلية. كل هذه التفاصيل الصغيرة، التي قد يمر بها البعض دون أن يلتفتوا لها، هي بالنسبة للروح مثل الماء للزرع، مثل الهواء للرئتين.

وقد تتساءل: لماذا نجوع من الأساس؟ لماذا تتعب أرواحنا؟ السبب ببساطة أننا نركض كثيرا. نركض وراء أهداف، مسؤوليات، توقعات، وننسى أن لنا في داخلنا طفلاً صغيراً يدعى “الروح” يحتاج إلى حضن، إلى دفء، إلى لحظة صمت وصدق. نؤجل راحته ونؤخر طمأنينته، فنخسر أنفسنا دون أن ندري. نشبع الجسد بالأطعمة، ونغدق عليه بالعناية، بينما نهمل الروح التي تحمل كل شيء.

وقد تظن أن الاهتمام بالروح نوع من الترف، لكن الحقيقة أن الإنسان لا يعيش بالخبز وحده، بل يعيش بكل لحظة يشعر فيها أن قلبه خفيف، وأن نفسه مطمئنة، أرواحها صغيرة وبريئة، لا يكفيها الطعام، بل تنمو حين تشعر بالأمان، وتذبل حين تهمل أو تعامل بقسوة. و أنه لا يحمل فوق كتفيه اثقالاً غير مرئية. ربما يكون أول الطريق بسيطا: أن تتوقف لحظة، وتفكر بصدق… متى كانت آخر مرة أسعدت فيها نفسك حقا؟ متى أطعمت روحك؟ متى فعلت شيئاً لا لأحد، ولا لمظهر، بل لك أنت وحدك؟

لا تخجل من التعب، ولا تظن أنك وحدك من يشعر بالثقل. كلنا نحمل في داخلنا ارواحاً متعبة تبحث عن دفء، كلنا نحتاج إلى أن نعيد وصلنا بما ينقينا ويهدئنا ويذكرنا من نكون. فامنح نفسك لحظة، لا أكثر، لحظة تصمت فيها الضوضاء، وتعلو فيها همسات الروح، واسمع. ستندهش كم هي بحاجة إليك… فقط أنت، لا أكثر.
فاستمع لروحك، واعتن بها، ولا تنس أن الروح إن جاعت، لا يشبعها شيء في الدنيا مهما امتلكت.

  • Related Posts

    التسامح قوة الروح الإنسانية

    كتبت : حنان المطوع في لحظة من لحظات التأمل، أجد نفسي أمام قرار التسامح. قرار صعب، ولكنه ضروري لكي نستطيع أن نعيش حياتنا بسلام وطمأنينة. التسامح هو قوة الروح الإنسانية…

    Read more

    Continue reading
    حين يزعجهم نجاحك

    كتبت : حنان المطوع مررت في حياتي بمواقف كثيرة جعلتني أفهم أن بعض الناس لا يحاولون التقليل منك لأنك أقل منهم، بل أحياناً لأن نجاحك يزعجهم. في البداية كنت أبحث…

    Read more

    Continue reading

    You Missed

    دعاء وعل تستعيد حضورها الفني بـ«عالدلعونا» بعد أزمتها الصحية

    دعاء وعل تستعيد حضورها الفني بـ«عالدلعونا» بعد أزمتها الصحية

    جبر الخواطر : عباده خفيه لا تحتاج سجادة بل قلباً رحيماً ولساناً ليناً

    جبر الخواطر : عباده خفيه لا تحتاج سجادة بل قلباً رحيماً ولساناً ليناً

    من مسقط إلى ويندسور… حين يتحدث التاريخ بلغة الملوك

    من مسقط إلى ويندسور… حين يتحدث التاريخ بلغة الملوك

    قرعة نارية لكأس مصر 2026-2027.. الأهلي والزمالك على طريق المنافسة وبيراميدز يسعى للحفاظ على اللقب

    قرعة نارية لكأس مصر 2026-2027.. الأهلي والزمالك على طريق المنافسة وبيراميدز يسعى للحفاظ على اللقب

    «مياه القاهرة» تقود تحالفًا مجتمعيًا لترسيخ ثقافة ترشيد الاستهلاك للمياه

    «مياه القاهرة» تقود تحالفًا مجتمعيًا لترسيخ ثقافة ترشيد الاستهلاك للمياه

    أبو قرن الكبير… حين يصبح الحب نافذة في جذع شجرة

    أبو قرن الكبير… حين يصبح الحب نافذة في جذع شجرة