حين بدأت المرآة تغيرنا

كتبت : حنان المطوع

في زمنٍ بعيد، كان الإنسان يرى وجهه صدفة. في صفحة ماء هادئة، أو على سطح معدن مصقول، أو في لمعة سريعة لا تمنحه الوقت ليتأمل نفسه طويلًا. كان يعرف شكله، لكنه لم يكن يعيش أمام صورته كما نعيش نحن اليوم.ثم جاءت المرآة.قطعة صغيرة في ظاهرها، لكنها غيرت شيئاً عميقاً في علاقة الإنسان بنفسه.

فجأة أصبح الوجه حاضراً كل يوم. تفاصيله، ملامحه، عمره، تعبه، ابتسامته، وحتى الأشياء التي لم يكن يلاحظها من قبل. ولم تعد المرآة مجرد أداة نرى فيها أنفسنا، بل أصبحت مع الوقت مكاناً نراجع فيه صورتنا أمام العالم.هل أبدو جميلة؟هل كبرت؟هل تغير وجهي؟هل أنا كما أريد أن يراني الآخرون؟ومن هنا بدأت الحكاية تكبر. تطورت المرايا، وانتقلت من المعادن المصقولة إلى الزجاج، ثم أصبحت جزءاً من البيوت والقصور وغرف النوم وصالات التجميل. لكن التغيير الحقيقي لم يكن في المرآة نفسها.كان فينا نحن.كلما أصبحت صورتنا أوضح، ازداد اهتمامنا بها. ثم جاءت الكاميرا، وبعدها الهاتف، وبعده عالم كامل من الصور التي لا تنتهي. وهنا لم تعد المرآة معلقة على الجدار. أصبحت في جيوبنا. نفتحها عشرات المرات في اليوم.

نلتقط صورة، ثم نعيدها. نبتسم، ثم نعيد الابتسامة. نبحث عن الزاوية الأفضل، والإضاءة الأفضل، والنسخة التي نعتقد أنها الأقرب إلى ما نريد أن نكونه. ومع الوقت حدث شيء غريب. بدل أن تساعدنا الصورة على رؤية أنفسنا، بدأت أحياناً تجعلنا نقارن أنفسنا بصورة أخرى.وجه آخر.عمر آخر.جمال آخر.حياة أخرى تبدو في الشاشة أكثر ترتيباً مما هي عليه في الحقيقة. وأصبح الإنسان لا يسأل فقط: من أنا؟ بل يسأل أيضاً: كيف أبدو للآخرين؟ وهذا فرق كبير. لأن الإنسان حين يعيش طويلًا أمام صورته، قد ينسى أن أجمل ما فيه لا يظهر في المرآة أصلًا. لا تظهر فيها طيبة القلب. ولا تظهر الشهامة. ولا يظهر الصبر الذي احتمله في سنوات صعبة. ولا يظهر الأثر الجميل الذي تركه في حياة إنسان آخر. المرآة ترى الوجه. لكنها لا ترى الحكاية.ولهذا ربما كانت المشكلة يوماً في المرآة، لكنها اليوم أصبحت في الطريقة التي ننظر بها إليها. ليس خطأ أن نحب صورتنا، ولا أن نهتم بجمالنا. لكن الخطأ أن نختصر أنفسنا فيها. أن نقيس قيمتنا بملامح تتغير. أو بصورة أعجبت الآخرين. أو بعدد من توقفوا عندها للحظات. فنحن أكبر بكثير من انعكاس على زجاج. وأعمق بكثير من صورة على شاشة.وفي النهاية، قد تخبرك المرآة كيف يبدو وجهك اليوم…. لكنها لن تخبرك أبداً من أصبحت. وهذه، وحدها، لا يراها إلا من عاش معك، وأحبك، وعرف قلبك.

  • Related Posts

    «أمنيات لرعاية وتأهيل أصحاب الهمم» يكرّم نخبة من الإعلاميين وصنّاع المحتوى في دبي

    كتب : محمود هاشم في دبي – 3 أكتوبر 2026، أقام مركز أمنيات لرعاية وتأهيل أصحاب الهمم، برعاية مكتب الشيخة ميرة بنت عبد الحكيم آل مكتوم، فعالية رسمية بعنوان «حفل…

    Read more

    Continue reading
    دي بقا مايتقالش عليها عائلة دي يتقال عليها إمبراطورية(ع).

    دي بقا مايتقالش عليها عائلة دي يتقال عليها إمبراطورية “ع”إمبراطورية فى الفن جمعت بين الكوميديا والإخراج والاستعراض والجمال والشهرة عبر 3 أجيال ورا بعض؟ الفضة بتبدأ مع الفنان محمد عوض…

    Read more

    Continue reading

    You Missed

    مدرسة مياه الشرب والصرف الصحي بمسطرد تُحيي روح أكتوبر في نفوس طلابها بزيارة إلى بانوراما حرب 1973

    مدرسة مياه الشرب والصرف الصحي بمسطرد تُحيي روح أكتوبر في نفوس طلابها بزيارة إلى بانوراما حرب 1973

    «أمنيات لرعاية وتأهيل أصحاب الهمم» يكرّم نخبة من الإعلاميين وصنّاع المحتوى في دبي

    «أمنيات لرعاية وتأهيل أصحاب الهمم» يكرّم نخبة من الإعلاميين وصنّاع المحتوى في دبي

    التسامح قوة الروح الإنسانية

    التسامح قوة الروح الإنسانية

    من فكرة سينمائية إلى مهرجان دولي.. هارون رشيد يطلق «عبر الثقافات» للأفلام القصيرة في ألمانيا

    من فكرة سينمائية إلى مهرجان دولي.. هارون رشيد يطلق «عبر الثقافات» للأفلام القصيرة في ألمانيا

    «إشادة من أعلى مستوى».. مدرسة مياه الشرب بمسطرد تتألق في الجودة وتحصل على الضوء الأخضر للتقدم للاعتماد

    «إشادة من أعلى مستوى».. مدرسة مياه الشرب بمسطرد تتألق في الجودة وتحصل على الضوء الأخضر للتقدم للاعتماد

    دقيقة واحدة قد تغير حياتك

    دقيقة واحدة قد تغير حياتك