القطا… الطائر الذي يحمل الماء في ريشه

كتبت : حنان المطوع

أحياناً تمر أمامنا صورة لا نعرف عنها شيئاً، لكنها تترك في داخلنا سؤالًا لا يهدأ.

وهذا بالضبط ما حدث معي عندما رأيت هذا الطائر.

كان يقف وسط الصحراء، وحوله صغاره، في مشهد بسيط جداً. رمال ممتدة، وشمس، وطائر صغير لا يبدو للوهلة الأولى مختلفاً عن كثير من طيور الصحراء.

لكن عندما عرفت حكايته، عدت إلى الصورة ونظرت إليها بطريقة مختلفة تماماً.

إنه طائر القطا.

ذلك الطائر الذي عاش في واحدة من أقسى البيئات، حيث قد تمتد الرمال لمسافات طويلة، ويصبح العثور على قطرة ماء مسألة حياة أو موت.

هنا بدأت الحكاية التي أدهشتني.

ففراخ القطا تبقى في مناطق قد تكون بعيدة عن مصادر المياه، ولا تستطيع وهي صغيرة أن تقطع الرحلة الطويلة التي يقطعها أبواها. وكان السؤال الذي خطر في بالي فوراً: إذا كان الماء بعيداً، فكيف تشرب هذه الصغار؟

كنت أتوقع أن يحمل الطائر الماء في منقاره، أو ربما يحتفظ به بطريقة ما داخل جسمه.

لكن الحقيقة أجمل بكثير.

يذهب ذكر القطا إلى مورد الماء، وقد يقطع مسافات طويلة حتى يصل إليه. وعندما يصل، لا يكتفي بالشرب، بل ينزل بجسمه إلى الماء ويبلل ريش بطنه.

وهنا تظهر واحدة من أعجب قدرات هذا الطائر.

فريش بطن الذكر ليس ريشاً عادياً تماماً، بل يتميز ببنية تساعده على امتصاص الماء والاحتفاظ بكمية منه بين أجزائه الدقيقة.

ثم تبدأ رحلة العودة.

يطير الأب فوق الصحراء حاملًا الماء، لا في إناء، ولا في فمه، وإنما في ريشه.

تخيلوا هذا المشهد…

طائر صغير يشق السماء فوق أرض جافة، وتحمل ريشاته قطرات الماء إلى فراخ تنتظره في مكان بعيد.

وعندما يصل، تقترب الصغار منه، وتضع مناقيرها بين ريش بطنه، وتشرب الماء الذي عاد به إليها.

ربما لهذا السبب بقيت أتأمل الصورة طويلًا.

نحن نرى طائراً واقفاً بجوار صغاره، لكننا لا نرى الرحلة التي سبقت تلك اللحظة.

لا نرى المسافة التي قطعها.

ولا حرارة الصحراء التي عبرها.

ولا الماء الذي حمله معه في طريق العودة.

والأجمل أن العلماء عندما درسوا ريش القطا وجدوا أن المسألة ليست مجرد أن الطائر يبلل ريشه ثم يعود مسرعًا. فتركيب ريش البطن يساعد على التقاط الماء والاحتفاظ به أثناء الرحلة، وكأن الطبيعة صنعت له وسيلة صغيرة لنقل الماء قبل أن يعرف الإنسان القوارير والخزانات.

وهنا شعرت أن حكاية القطا أكبر من مجرد معلومة جميلة عن طائر.

إنها حكاية عن الأبوة والبقاء والتكيف.

ففي الصحراء لا توجد الأشياء بسهولة. الماء بعيد، والحرارة قاسية، والصغار ضعيفة، ومع ذلك تستمر الحياة، وتجد كل مخلوقات الصحراء طريقتها الخاصة للبقاء.

كم من مرة مررنا بطائر في السماء ولم نفكر في حكايته؟

وكم من مخلوق صغير حولنا يحمل في تفاصيل حياته سراً أعظم مما نتوقع؟

ربما لهذا أحب مثل هذه الحكايات.

فهي تذكرني دائماً بأن الدهشة ليست في الأشياء الكبيرة وحدها.

أحياناً تختبئ أعظم الحكايات في ريشة صغيرة…

تحمل قطرة ماء عبر الصحراء، إلى صغير ينتظرها.

  • Related Posts

    هل نحن أسرى جينات آبائنا؟

    كتبت : حنان المطوع أحياناً لا نخاف من المرض عندما يأتي، بل نخاف منه قبل أن يأتي بسنوات. نراقب آباءنا وهم يتقدمون في العمر، نعرف أمراضهم، نحفظ أسماء أدويتهم، ونسمع…

    Read more

    Continue reading
    أسرة زهرة الخليج نيو تتمنى الشفاء العاجل لبطل العالم في كرة السرعة الكابتن عمر نجاح

    كتب : محمود هاشم تتقدم أسرة تحرير زهرة الخليج نيو بخالص الدعوات وأصدق الأمنيات بالشفاء العاجل للكابتن عمر نجاح، بطل العالم في كرة السرعة، بعد تعرضه لإصابة في الرباط الصليبي،…

    Read more

    Continue reading

    You Missed

    هل نحن أسرى جينات آبائنا؟

    هل نحن أسرى جينات آبائنا؟

    أسرة زهرة الخليج نيو تتمنى الشفاء العاجل لبطل العالم في كرة السرعة الكابتن عمر نجاح

    أسرة زهرة الخليج نيو تتمنى الشفاء العاجل لبطل العالم في كرة السرعة الكابتن عمر نجاح

    حين سألتني الطبيبة عن سر الشباب

    حين سألتني الطبيبة عن سر الشباب

    اسمعني بقلبك للكاتبه حنان المطوع .

    اسمعني بقلبك للكاتبه حنان المطوع .

    دعاء وعل تستعيد حضورها الفني بـ«عالدلعونا» بعد أزمتها الصحية

    دعاء وعل تستعيد حضورها الفني بـ«عالدلعونا» بعد أزمتها الصحية

    جبر الخواطر : عباده خفيه لا تحتاج سجادة بل قلباً رحيماً ولساناً ليناً

    جبر الخواطر : عباده خفيه لا تحتاج سجادة بل قلباً رحيماً ولساناً ليناً