كتبت : حنان المطوع

أحياناً لا نخاف من المرض عندما يأتي، بل نخاف منه قبل أن يأتي بسنوات.
نراقب آباءنا وهم يتقدمون في العمر، نعرف أمراضهم، نحفظ أسماء أدويتهم، ونسمع الطبيب يقول إن للعائلة تاريخاً مع السكري أو القلب أو الضغط أو بعض أنواع السرطان، فيتسلل إلى داخلنا سؤال لا نقوله دائماً بصوت مرتفع:
هل سيأتي دوري؟
هل تحمل خلاياي منذ ولادتي قصة كتبت نهايتها قبل أن أبدأ حياتي؟
فنحن نحمل جينات آبائنا وأمهاتنا، نأخذ منهم لون العينين، وملامح الوجه، وربما شكل الأنف أو طبيعة الشعر، ونكتشف أحياناً أننا نضحك مثلهم ونكبر فنزداد شبهاً بهم.
لكن هل نرث أمراضهم بالطريقة نفسها؟
لحسن الحظ، الحكاية ليست بهذه البساطة.
الجينات التي نحملها ليست في معظم الحالات رسالة تقول: ستصاب بهذا المرض.
إنها أقرب إلى أوراق كثيرة وضعت في أيدينا عند بداية الرحلة. بعضها قد يجعل الطريق أسهل، وبعضها قد يجعلنا أكثر عرضة لمشكلة معينة، لكن ما سيحدث بعد ذلك تشارك في صنعه أشياء كثيرة.
قد يعيش أب مصاباً بالسكري، فيحمل ابنه استعداداً أكبر للإصابة به، لكن الاستعداد ليس موعداً مكتوباً في دفتر الأيام.
وقد تنتشر أمراض القلب في عائلة كاملة، ثم يأتي فرد منها فيعيش حياة مختلفة، يهتم بغذائه، يتحرك، يراقب ضغطه ووزنه وفحوصاته، فيتغير جزء من الحكاية.
ليس لأنه محا الجينات التي ورثها.
بل لأنه لم يترك لها وحدها كتابة القصة.
وهنا يظهر واحد من أكثر جوانب أجسادنا إثارة للدهشة.
فالعلم اكتشف أن المسألة لا تتوقف عند الجينات التي نولد بها، بل إن هناك ما يؤثر في طريقة عمل بعض هذه الجينات ونشاطها. وهو عالم يسمى «التخلق الجيني».
والاسم يبدو معقداً، لكن فكرته جميلة إذا ابتعدنا قليلًا عن لغة المختبرات.
تخيل أن داخل كل خلية في جسدك كتاباً ضخماً ورثت أجزاء قصته من والديك.
وجود صفحة في الكتاب لا يعني بالضرورة أنها ستقرأ طوال الوقت.
هناك صفحات قد يرتفع صوتها، وأخرى قد يهدأ، وعوامل من حياتنا وبيئتنا يمكن أن تؤثر في طريقة تنظيم قراءة بعض التعليمات الموجودة في هذا الكتاب.
الغذاء، والحركة، والتدخين، والنوم، والتعرض لبعض العوامل البيئية… كلها تدخل، بدرجات مختلفة، في الحوار المستمر بين أجسادنا والبيئة التي نعيش فيها.
وهذا لا يعني أننا نستطيع بمجرد تغيير أسلوب حياتنا أن «نطفئ» أي مرض وراثي نريده، كما توحي أحياناً بعض العبارات المنتشرة على مواقع التواصل.
فبعض الأمراض ترتبط بتغيرات جينية قوية ومحددة، وقد تنتقل بالفعل داخل العائلات بطريقة لا يستطيع كوب من العصير الأخضر ولا ساعة من المشي أن يمحوها.
لكن بين فكرة أن الجينات لا تعني شيئاً، وفكرة أنها تتحكم في كل شيء، توجد الحقيقة الأكثر إنصافاً:
نحن نرث الاستعداد لكثير من الأشياء، وليس المصير دائماً.
ولهذا ربما يكون تاريخ العائلة الصحي مهماً، لا لكي يخيفنا، بل لكي ينبهنا.
إذا عرف الإنسان أن السكري منتشر في عائلته، فهذه المعرفة ليست نبوءة سيئة، وإنما فرصة لأن ينتبه مبكراً.
وإذا عرف أن أمراض القلب ظهرت لدى أكثر من فرد، فقد يكون ذلك سبباً ليعرف أرقامه، ويراقب ضغطه وكوليستروله، ويتحرك أكثر، ويجري الفحوص المناسبة في وقتها.
وإذا تكرر نوع معين من السرطان بصورة لافتة أو في أعمار صغيرة داخل الأسرة، فقد تصبح استشارة الطبيب أو اختصاصي الوراثة خطوة مهمة لمعرفة ما إذا كان هناك سبب وراثي يستحق الفحص.
فالمعرفة هنا لا تزرع الخوف.
المعرفة تمنحنا وقتاً.
وربما هذه هي الفكرة التي تستحق أن نتذكرها كلما نظرنا إلى آبائنا ورأينا في وجوهنا شيئاً منهم.
نعم، نحن امتداد لهم.
نحمل شيئاً من ملامحهم، وشيئاً من جيناتهم، وربما نحمل بعض نقاط ضعفهم أيضاً.
لكننا لسنا نسخة أخرى منهم.
لقد أعطونا الصفحات الأولى من كتابنا…
أما بقية الصفحات، فليست كلها مكتوبة بعد.





