الحب الذي يأتي متأخراً

كتبت : حنان المطوع

كان اللقاء صدفة، أو ربما كان قدراً تأخر قليلًا عن موعده. فالحب، حين يأتي متأخراً ، لا يطرق الأبواب بعنف، بل يتسلل برفق، كنسمة دافئة بعد شتاء طويل. كانت حياتهما تمضي في مسارات هادئة، خالية من المفاجآت، حتى التقيا. لم يكن بينهما وعد ولا انتظار، فقط نظرة صامتة أشعلت ما خمد من الأحاسيس، وأيقظت قلبين ظنا أن الحكايات الجميلة لا تعاد مرتين.

هو كان يحمل على كتفيه تعب السنين، وملامح رجل علمه الوقت كيف يخفي وجعه بابتسامة مطمئنة، وهي كانت تملك تلك الملامح التي تخفي وراء رقتها جروحاً لم يلتئم منها الزمن. لم يبحث أحدهما عن الحب، لكن الحب وجد طريقه إليهما كما يجد النور شقاً في الجدار المظلم.

كانت بدايتهما مترددة، كأنهما يخشيان الاعتراف بأن العمر لم يفقد بعد قدرته على الدهشة. كل حديث بسيط كان يحمل بين طياته دفئاً غير مألوف، وكل لحظة صمت كانت تبدو وكأنها وعد بشيء أعمق من الكلمات. لم يكن الأمر اندفاعاً كما في البدايات الأولى، بل طمأنينة خفية، تشبه عودة الروح إلى مكان تعرفه جيدًا.

ومع مرور الأيام، بدأت الذكريات القديمة تتراجع بخطوات خجولة، لتفسح المجال لصفحة جديدة تكتب بهدوء. صار حضورها في يومه ضرورة، وصار غيابها يربكه كما يربك الليل من فقد نجماً اعتاد عليه. هي الأخرى بدأت تكتشف في صوته مأوى، وفي صمته صدقاً لم تعرفه من قبل.

لكن الحب الذي يأتي متاخراً لا يخلو من وجع خفي. هناك دايماً خوف من أن يخونهم الوقت، أو أن تعيد الحياة ترتيبها بطريقة قاسية. كانا يدركان أن الأيام لا تنتظر احداً، ومع ذلك، تمسكا بما وجدا كأنهما يتمسكان بآخر خيط من الحلم. كانا يعلمان أن الفقد قد يعود في أي لحظة، لكنهما اختارا أن يعيشا اللحظة كما هي، دون قلقٍ من الغد، ودون حساب للماضي.

في تلك اللحظات التي تسبق الغروب، حين تمتزج السماء بلون ذهبي حزين، كانا يجلسان صامتين، يكتفيان بنظرات تتحدث عن كل ما لم يقل. كان الحب في عينيهما ناضجاً، خالياً من التسرع، مليئاً بالحنين. لم يكن حباً صاخباً، بل هادئاً، يشبه الموسيقى البعيدة التي لا يسمعها أحد سواهما.

ربما جاء متاخراً، لكنه جاء صادقاً، صافياً كالمطر بعد العاصفة. جاء ليقول إن القلب، مهما طال انتظاره، ما زال قادراً على الخفقان من جديد. وأن بعض القصص، وإن تأخرت، تبقى أجمل لأنها تنضج على مهل، وتروى بعمق لا يعرفه سوى من جرب الفقد ثم وجد الحب بعده صدفةً، كهدية من الحياة في وقت لم يتوقع فيه شيئاً.

كان المساء يهبط ببطء، والضوء الذهبي ينساب على ملامحهما كأن الكون بأسره يبارك تلك اللحظة. جلسا متقابلين، تتشابك أيديهما في صمت مطمئن، ذلك الصمت الذي لا يحتاج إلى كلمات ليقول كل شيء. كان في عينيه اعتراف خجول بأن الحياة، رغم كل ما أخذته منه، منحته اخيراً شيئاً يستحق الانتظار، وكانت في نظرتها حكاية امرأة أدركت ان الحب لا يقاس بعمره، بل بصدق حضوره.

أمسك بيدها أكثر، كأنه يخشى أن يوقظه الحلم، وقال وهو ينظر إلى الأفق:
– تأخر الحب، نعم، لكنه جاء في الوقت الذي كنت أحتاجه فيه أكثر من اي وقت مضى.

ابتسمت، وسندت رأسها على كتفه، وغابت عيناهما مع الغروب في سكون جميل. كان الهواء يحمل رائحة المطر الأولى، وكانت القلوب مطمئنة، كأنها وصلت إلى بيتها بعد رحلة طويلة.

وهكذا انتهت الحكاية لا بدمعة فراق، بل بابتسامة لقاء ناضج.
حب جاء متاخراً، لكنه حين وصل، أعاد للحياة معناها، وللقلب نبضه، وللعمر وهجه من جديد.

  • Related Posts

    أسرة زهرة الخليج نيو تتمنى الشفاء العاجل لبطل العالم في كرة السرعة الكابتن عمر نجاح

    كتب : محمود هاشم تتقدم أسرة تحرير زهرة الخليج نيو بخالص الدعوات وأصدق الأمنيات بالشفاء العاجل للكابتن عمر نجاح، بطل العالم في كرة السرعة، بعد تعرضه لإصابة في الرباط الصليبي،…

    Read more

    Continue reading
    حين سألتني الطبيبة عن سر الشباب

    كتبت : حنان المطوع لم أكن أعلم أن زيارة عادية إلى عيادة الطبيبة ستتحول إلى حوار طريف عن العمر والشباب، ولا أن سؤالاً بسيطاً سيجعلني أستعيد أمامها فلسفة حياة لم…

    Read more

    Continue reading

    You Missed

    أسرة زهرة الخليج نيو تتمنى الشفاء العاجل لبطل العالم في كرة السرعة الكابتن عمر نجاح

    أسرة زهرة الخليج نيو تتمنى الشفاء العاجل لبطل العالم في كرة السرعة الكابتن عمر نجاح

    حين سألتني الطبيبة عن سر الشباب

    حين سألتني الطبيبة عن سر الشباب

    اسمعني بقلبك للكاتبه حنان المطوع .

    اسمعني بقلبك للكاتبه حنان المطوع .

    دعاء وعل تستعيد حضورها الفني بـ«عالدلعونا» بعد أزمتها الصحية

    دعاء وعل تستعيد حضورها الفني بـ«عالدلعونا» بعد أزمتها الصحية

    جبر الخواطر : عباده خفيه لا تحتاج سجادة بل قلباً رحيماً ولساناً ليناً

    جبر الخواطر : عباده خفيه لا تحتاج سجادة بل قلباً رحيماً ولساناً ليناً

    من مسقط إلى ويندسور… حين يتحدث التاريخ بلغة الملوك

    من مسقط إلى ويندسور… حين يتحدث التاريخ بلغة الملوك