أسرار البشرة في عيون العلماء المسلمين… بين حكمة الماضي وعلم الحاضر

كتبت : حنان المطوع

لطالما كانت البشرة مرآةً لصحة الإنسان، فهي أول ما تقع عليه العين، وأول ما يكشف ما يمر به الجسد من تغيرات.

ولهذا لم ينظر العلماء المسلمون إلى مشكلات البشرة على أنها مجرد عيبٍ ظاهري، بل اعتبروها رسالة يرسلها الجسم ليخبر الإنسان أن هناك خللًا يحتاج إلى إصلاح.

ومنذ أكثر من ألف عام، أولى أطباء الحضارة الإسلامية إهتماماً كبيراً بالأمراض الجلدية، وتركوا لنا مؤلفاتٍ أصبحت مراجع في الطب لقرون طويلة.

ولم يكن اهتمامهم منصباً على إزالة البثور أو تحسين المظهر فحسب، بل كان هدفهم فهم السبب الحقيقي الذي يقف وراء ظهورها.وكان من أبرز هؤلاء العلماء الطبيب والفيلسوف ابن سينا، الذي رأى أن صحة البشرة ترتبط بتوازن الجسم كله. فوفقاً للنظرية الطبية السائدة في عصره، كان الإنسان يتكون من أربعة أخلاط: الدم، والبلغم، والصفراء، والسوداء.

وعندما يختل هذا التوازن، تظهر آثار ذلك على الجلد في صورة بثور أو احمرار أو بقع أو جفاف. وقد اعتقد أن زيادة الحرارة الداخلية أو ما كان يسمى آنذاك بـ”فساد الدم” قد تكون سبباً في ظهور كثير من مشكلات البشرة.

أما الطبيب الكبير الرازي، فقد اتخذ منهجاً أكثر اعتماداً على الملاحظة الدقيقة. فقد ربط بين الأمراض الجلدية والغذاء ونمط الحياة، ولاحظ أن بعض الأطعمة، واضطرابات الهضم، والبيئة المحيطة، قد تؤثر بشكل مباشر في صحة الجلد. لذلك لم يكن يكتفي بوصف المراهم والعلاجات الموضعية، بل كان يوصي أيضاً بإصلاح الغذاء وتحسين أسلوب المعيشة.وكان الأطباء المسلمون يؤمنون بأن الجسم وحدة واحدة، وأن الجلد يعكس ما يحدث في الداخل. فإذا اختل الهضم، أو زادت الضغوط، أو ساءت التغذية، فإن البشرة تكون من أوائل الأعضاء التي تظهر آثار ذلك. ولهذا كانوا ينصحون بالاعتدال في الطعام، والإكثار من شرب الماء، وتنظيم النوم، وتجنب الإفراط في الأطعمة الدسمة أو شديدة التوابل، إلى جانب استخدام مستحضرات طبيعية مثل ماء الورد، والصبار، وبعض الزيوت والأعشاب التي اشتهرت في الطب الإسلامي.واليوم، وبعد قرون طويلة، تطور العلم كثيراً، وأصبح الطب الحديث يفسر معظم مشكلات البشرة بطريقة مختلفة. فحب الشباب، على سبيل المثال، يعزى إلى عوامل مثل التغيرات الهرمونية، وزيادة إفراز الدهون، وانسداد المسام، ونمو أنواع معينة من البكتيريا، إضافة إلى الاستعداد الوراثي وبعض العوامل البيئية.ورغم اختلاف التفسير العلمي بين الأمس واليوم، فإن هناك نقطة التقاء لافتة بين الطب القديم والحديث، وهي أن صحة البشرة لا تنفصل عن صحة الجسم عامةً. فالتغذية المتوازنة، والنوم الكافي، وتقليل التوتر، والعناية اليومية بالنظافة، كلها عوامل يوصي بها الطب الحديث، وهي في جوهرها امتداد لما دعا إليه كثير من أطباء الحضارة الإسلامية منذ قرون.وهنا تتجلى عظمة ذلك التراث؛ فلم يكن العلماء المسلمون ينظرون إلى الإنسان على أنه مجموعة أعضاء منفصلة، بل كيان متكامل تؤثر أجزاؤه بعضها في بعض. وربما لم تكن أدواتهم العلمية تتيح لهم معرفة الهرمونات أو البكتيريا كما نعرفها اليوم، لكن ملاحظاتهم الدقيقة وتجاربهم الواسعة قادتهم إلى مبادئ لا تزال تحتفظ بقيمتها، وفي مقدمتها أن الوقاية خير من العلاج، وأن الاعتدال في أسلوب الحياة هو أساس الصحة والجمال.فالبشرة الجميلة ليست نتيجة كريمٍ باهظ الثمن فقط، بل هي انعكاس لجسدٍ متوازن، وغذاءٍ سليم، ونفسٍ مطمئنة… وهي حقيقة أدركها علماؤنا قبل قرون، ثم جاء العلم الحديث ليؤكد كثيراً من معانيها بلغةٍ مختلفة.

  • Related Posts

    هل نحن أسرى جينات آبائنا؟

    كتبت : حنان المطوع أحياناً لا نخاف من المرض عندما يأتي، بل نخاف منه قبل أن يأتي بسنوات. نراقب آباءنا وهم يتقدمون في العمر، نعرف أمراضهم، نحفظ أسماء أدويتهم، ونسمع…

    Read more

    Continue reading
    أسرة زهرة الخليج نيو تتمنى الشفاء العاجل لبطل العالم في كرة السرعة الكابتن عمر نجاح

    كتب : محمود هاشم تتقدم أسرة تحرير زهرة الخليج نيو بخالص الدعوات وأصدق الأمنيات بالشفاء العاجل للكابتن عمر نجاح، بطل العالم في كرة السرعة، بعد تعرضه لإصابة في الرباط الصليبي،…

    Read more

    Continue reading

    You Missed

    هل نحن أسرى جينات آبائنا؟

    هل نحن أسرى جينات آبائنا؟

    أسرة زهرة الخليج نيو تتمنى الشفاء العاجل لبطل العالم في كرة السرعة الكابتن عمر نجاح

    أسرة زهرة الخليج نيو تتمنى الشفاء العاجل لبطل العالم في كرة السرعة الكابتن عمر نجاح

    حين سألتني الطبيبة عن سر الشباب

    حين سألتني الطبيبة عن سر الشباب

    اسمعني بقلبك للكاتبه حنان المطوع .

    اسمعني بقلبك للكاتبه حنان المطوع .

    دعاء وعل تستعيد حضورها الفني بـ«عالدلعونا» بعد أزمتها الصحية

    دعاء وعل تستعيد حضورها الفني بـ«عالدلعونا» بعد أزمتها الصحية

    جبر الخواطر : عباده خفيه لا تحتاج سجادة بل قلباً رحيماً ولساناً ليناً

    جبر الخواطر : عباده خفيه لا تحتاج سجادة بل قلباً رحيماً ولساناً ليناً