كتبت : حنان المطوع

حين نخسر شيئاً لم نكن نتوقع فقدانه، نشعر وكأن جزءاً من عالمنا قد اختفى فجأة، وكأن الطريق الذي اعتدنا السير فيه قد تغير دون سابق إنذار. وفي لحظات الفقد الأولى، يصعب علينا أن نرى ما وراء الألم، فنظن أن الخسارة نهاية، وأن ما انكسر لن يعود كما كان.
لكن الحياة تعلمنا مع الوقت أن بعض الغياب لا يأتي ليكسرنا، بل ليعيد ترتيبنا من الداخل على مهل. فليست كل الأشياء التي نفقدها كانت مقدرة للبقاء، وليست كل الأبواب التي تغلق في وجوهنا خيبة أو حرماناً. أحياناً يكون ما يرحل عنا عبئاً تأخر موعد رحيله، أو درساً اكتمل دوره في حياتنا، أو طريقاً لم يكن يقودنا إلى المكان الذي نستحقه.
ومع مرور الأيام، نكتشف أن الخسارات ليست دائماً نقيضاً للمكاسب، بل قد تكون الوجه الآخر لفهم أعمق للحياة ولأنفسنا. فالألم، رغم قسوته، يعلمنا ما لا تعلمه لحظات الراحة، ويكشف لنا جوانب من قوتنا لم نكن نعرف بوجودها. وفي كل تجربة فقد، ينضج شيء في داخلنا، ويتسع القلب لفهمٍ أكبر، وتصبح نظرتنا للأشياء أكثر هدوءاً واتزاناً.
كم من أمرٍ بكينا عليه في الماضي، ثم أدركنا لاحقاً أنه كان خيراً لنا أن يرحل. وكم من باب أغلق فظنناه نهاية الطريق، فإذا به يحفظنا من طريق لم يكن يناسبنا، أو يقودنا إلى فرصة أجمل لم نكن نتوقعها. فالحياة لا تكشف حكمتها دفعة واحدة، بل تترك للأيام مهمة إظهار المعاني التي عجزنا عن رؤيتها في لحظة الألم.
ولهذا، لا ينبغي أن نقيس قيمة ما يحدث لنا بما نشعر به في اللحظة الأولى فقط. فبعض الأحداث تحتاج إلى وقت كي نفهم رسالتها، وبعض الخسارات تحتاج إلى مسافة كافية لنرى ما أخفته عنا الدموع. وما نعده اليوم فقداً قد نراه غداً نجاةً، وما نراه انكساراً قد يكون بداية تشكل نسخة أقوى وأكثر وعياً من أنفسنا.
إن الثقة بالحياة لا تعني أن نتوقف عن الحزن، بل أن نؤمن بأن لكل شيء حكمة وإن غابت عنا موقتاً. وأن ما كتب لنا لن يضل طريقه إلينا، وما لم يكن لنا فلن تغيره كثرة التمني أو التعلق. وعندما تهدأ العاصفة في الداخل، ندرك أن بعض الأبواب أغلقت حولنا، لتفتح في أعماقنا أبواب أخرى من الفهم والنضج والطمأنينة.
هذا يسوقنا إلى، ليست قيمة الإنسان فيما احتفظ به دائماً، بل فيما تعلمه مما فقده. فبعض الخسارات لا تأتي لتنقصنا، وإنما تأتي لتكشف لنا ما نحن عليه حقاً، ولتمنحنا فرصة البدء من جديد بقلب أكثر حكمة، وروح أكثر اتساعاً، وإيمانٍ أكبر بأن الخير قد يأتي أحياناً في هيئة وداع.






