كتبت : حنان المطوع

لم أكن أعلم أن زيارة عادية إلى عيادة الطبيبة ستتحول إلى حوار طريف عن العمر والشباب، ولا أن سؤالاً بسيطاً سيجعلني أستعيد أمامها فلسفة حياة لم أتعلمها من كتاب، ولم أكتشفها في وصفة سحرية، بل عشتها يوماً بعد يوم، حتى أصبحت جزءاً مني. كانت الطبيبة تتأمل وجهي، ثم تنظر إلى المعلومات المسجلة أمامها، قبل أن تبتسم وتسألني: «ما سر هذا الشباب والحيوية؟» ضحكت من السؤال، ثم قلت لها بعفوية: «أولاً، فعّلت قناة الطز!»
ضحكت الطبيبة، وربما ظنت أنني أمزح، لكنني كنت أعني ما أقول. فقد اكتشفت منذ زمن أن بعض الأشياء لا تستحق أن نمنحها من أعمارنا أكثر مما تستحق، وأن الإنسان قد يحمل على كتفيه أثقالاً لا يراها أحد؛ كلمة جارحة يحتفظ بها سنوات، أو موقفاً عابراً يعيد التفكير فيه كل ليلة، أو خصومة يرفض أن يتركها تمضي. ومع مرور الوقت تصبح هذه الأحمال جزءاً من حياته، حتى ينسى أنه يستطيع ببساطة أن يضعها جانباً. لذلك اخترت ألا أسمح لكل كلمة أن تجرحني، ولا لكل موقف أن يعكر صفوي، ولا لكل إنسان أن يستأجر مساحة في عقلي دون مقابل. لم تكن «قناة الطز» عندي استخفافاً بالآخرين أو تجاهلاً للمسؤوليات، بل كانت وسيلتي لحماية راحتي النفسية من معارك لا تستحق أن أخوضها.
ثم سألتني الطبيبة عن الطعام، فأخبرتها أنني لا أؤمن بالحميات القاسية التي تجعل الإنسان في حرب دائمة مع مائدته. آكل باعتدال، وأختار ما ينفع جسدي، وأقلل الكميات دون أن أحوّل الطعام إلى عقوبة. فالصحة ليست مشروعاً مؤقتاً يبدأ يوم الاثنين وينتهي عند أول مناسبة، وإنما علاقة طويلة مع الجسد، تحتاج إلى فهم وصبر واستمرارية. وقد أثبتت الدراسات أن الأنماط الغذائية المتوازنة، والنشاط البدني المنتظم، والنوم الكافي، ترتبط بصحة أفضل وتراجع مخاطر كثير من الأمراض المزمنة. أما الشباب الذي نراه في الوجوه، فلا تصنعه هذه العوامل وحدها؛ فالوراثة والبيئة والتعرض للشمس وغيرها تؤدي أدواراً مهمة أيضاً.
وعندما سألتني عن الرياضة، أريتها التمارين التي أمارسها يومياً؛ عشرين إلى ثلاثين دقيقة من الحركة المتواصلة، ومثلها تقريباً على جهاز الكروس ترينر، إلى جانب تمارين السكوات التي أصبحت أحبها وأستمتع بها. لم تكن الرياضة بالنسبة إليّ مجرد وسيلة لإنقاص الوزن، بل طريقة للمحافظة على القوة والقدرة على الحركة والاستقلال. فالقيمة الحقيقية للعضلات لا تكمن في شكلها الخارجي فحسب، بل في دورها في دعم المفاصل وحفظ التوازن والقدرة على أداء تفاصيل الحياة اليومية. ولهذا أصبحت أفرح عندما أعرف أن عضلات ساقي ازدادت قوة، أكثر من فرحتي برقم ينخفض على الميزان. ابتسمت الطبيبة وصوّرت شاشة التمارين، ثم قالت إنها ستحاول اتباع ما أفعله. وعندما سألتني: «منذ متى وأنتِ هكذا؟» أجبتها دون تفكير: «أعتقد أنني هكذا طوال حياتي».
كانت إجابتي صادقة، لأن الاهتمام بالنفس لم يكن عندي قراراً مؤقتاً أو مرحلة عابرة. أحببت الحركة منذ طفولتي، وما زلت أؤمن بأن الجسد الذي نعتني به يمنحنا فرصة أكبر للاستمتاع بالحياة. لكنني أخبرتها أيضاً عن النوم الجميل، وعن العناية المستمرة بالبشرة والصحة، وعن تلك التفاصيل الصغيرة التي قد تبدو عادية، لكنها حين تتكرر تصنع فرقاً كبيراً. فالجسم يحتاج إلى الراحة كما يحتاج إلى الحركة، والنوم ليس وقتاً ضائعاً من اليوم، بل مرحلة أساسية لتنظيم كثير من وظائفه وتجديد طاقته.
غير أنني حين تأملت حديثنا بعد ذلك، أدركت أن أهم ما قلته للطبيبة لم يكن متعلقاً بالغذاء أو الرياضة أو النوم، بل بقلبي. فقد أخبرتها أنني لا أحب أن أحمل حقداً أو ضغينة على أحد، وأنني أجد سعادة خاصة في مساعدة أناس لا يعرف الآخرون شيئاً عن ظروفهم، ولا يعرفون بالضرورة من يقف إلى جانبهم. لا أفعل ذلك بحثاً عن مديح أو اعتراف، وإنما لأن العطاء يمنح الحياة معنى يتجاوز حدود الذات. وقد ربطت أبحاث عديدة بين العلاقات الإنسانية الإيجابية والسلوكيات الداعمة للآخرين وبين جوانب من الرفاه النفسي، وإن كان من المبالغة الادعاء بأن صفاء القلب وحده يمنع التجاعيد أو يوقف الشيخوخة.
وهنا تذكرت أن الإنسان قد ينفق الكثير ليخفي آثار الزمن على وجهه، بينما يترك داخله مثقلاً بالغضب والقلق والمقارنات. وقد يعتني ببشرته كل مساء، لكنه ينسى أن يمنح عقله لحظة هدوء، أو قلبه فرصة للتسامح، أو روحه مساحة للضحك. وليس معنى ذلك أن الحزن يسرق الجمال أو أن المرض نتيجة أفكارنا، فالحياة أعقد من هذه المعادلات البسيطة، لكننا نستطيع، ضمن ما تسمح به ظروفنا، أن نختار عادات أكثر رحمة بأجسادنا ونفوسنا.
خرجت من العيادة وأنا أبتسم لذلك الحوار الذي بدأ بسؤال عن الشباب وانتهى بمراجعة فلسفتي في الحياة. وأدركت أن سر الشباب ليس سراً واحداً، ولا زجاجة كريم باهظة، ولا تمريناً خارقاً، ولا وصفة غذائية تنتقل من شخص إلى آخر. إنه مجموعة اختيارات صغيرة نكررها حتى تصبح أسلوب حياة؛ أن نتحرك ما استطعنا، ونأكل باعتدال، وننام براحة، ونعتني بأنفسنا، ونحافظ على فضولنا وحبنا للتعلم، وألا نسمح للسنوات بأن تقنعنا أن الفرح أصبح وراءنا.
ولعل أجمل ما تعلمته من ذلك اللقاء أن العمر حقيقة تسجلها الأوراق، أما طريقة عيشه فهي حكاية نكتبها بأنفسنا. لا أحد يستطيع إيقاف عقارب الساعة، ولا أحد يملك ضماناً لشباب دائم، لكننا نستطيع ألا نحول كل سنة تمر إلى عبء جديد على أرواحنا.
ولهذا، حين سألتني الطبيبة عن سر الشباب، لم أكن أملك وصفة تعيد الزمن إلى الوراء، بل كنت أملك شيئاً أجمل: حياة أحاول أن أعيشها دون أن أسمح للزمن بأن يطفئ شغفي بها. فما زلت أضحك كما كنت أضحك، وأتعلم كما لو أن العالم يفتح أبوابه أمامي للمرة الأولى، وأؤمن بأن أجمل ما في الإنسان ليس عدد السنوات التي عاشها، بل مقدار الحياة التي استطاع أن يضعها في تلك السنوات.





