العدو الذي يسكن بيننا

كتبت : حنان المطوع

العدو الذي يسكن بيننا

العدو الخارجي نراه.

نعرف ملامحه، نعرف من أين قد يأتي، ونستعد له بما نستطيع. نغلق الأبواب، ننتبه للخطوات، ونرفع حذرنا لأننا ببساطة نعرف أننا أمام خصم.

لكن ماذا نفعل أمام عدو لا يبدو عدواً؟

عدو يعيش بيننا، يدخل بيوتنا، يجلس معنا، يعرف أخبارنا، يسمع أحاديثنا، ويحفظ نقاط ضعفنا قبل نقاط قوتنا.

نراه واحداً منا.

نطمئن له.

وربما نمنحه من أسرارنا ما لا نمنحه للغرباء، لأننا نعتقد أن القريب لا يؤذي، وأن من شاركنا الخبز والضحك والسنوات لا يمكن أن يحمل في داخله عداءً لنا.

لكن الحياة لا تسير دائماً بهذه البساطة.

فهناك أناس لا يعلنون خصومتهم، ولا يرفعون أصواتهم، ولا يتركون لك إشارة واضحة تستطيع أن تقول عندها: انتبه، هذا الشخص لا يريد لك الخير.

بالعكس.

قد يكونون أكثر الناس هدوءاً.

يبتسمون في وجوهنا، يوافقوننا في الحديث، يواسوننا عندما نتعب، ويظهرون فرحهم عندما نفرح.

وفي اللحظة نفسها قد يكون بداخلهم شيء آخر تماماً.

غيرة لم يقولوا عنها.

حقد قديم لم نلحظه.

مصلحة ينتظرون وقتها.

أو رغبة خفية في أن يرونا أقل مما نحن عليه.

وهنا تكمن الخطورة.

فالإنسان حين يعرف أن أمامه عدواً، يتخذ حذره.

أما حين يعتقد أنه في أمان، فإنه يخلع درعه بنفسه.

يتحدث بحرية.

يكشف نقاط ضعفه.

يحكي مشكلاته.

ويقول أشياء لم يكن ليقولها لو عرف أن المستمع قد يستخدمها يوماً ضده.

وهكذا يصبح القريب أخطر من الغريب، ليس لأنه أقوى، بل لأنه يعرف الطريق.

الغريب يقف خارج الباب، أما القريب فيعرف أين المفتاح.

الغريب يحتاج أن يبحث عن نقطة ضعفك، أما القريب فقد رآها بعينيه.

الغريب قد يجرحك من الخارج، أما من وثقت به فيعرف المكان الذي يؤلمك فعلًا.

ولهذا كانت طعنة القريب مختلفة.

ليست لأن السكين أشد، بل لأن اليد التي أمسكت بها كانت يوماً يداً صافحتها.

كانت يداً ربما احتضنتها.

كانت يداً ظننت أنها لن تمتد إليك إلا بالخير.

والمؤلم أن بعض الناس لا يكتفون بالعداء الصامت، بل يجيدون شيئاً أكثر قسوة: أن يبقوا قريبين منك حتى يعرفوا المزيد.

يسألونك بدافع يبدو كأنه اهتمام.

يدخلون في تفاصيل حياتك بحجة المحبة.

يتابعون نجاحك، مشكلاتك، علاقاتك، وما يزعجك وما يسعدك.

وأنت تفسر كل ذلك على أنه قرب.

بينما قد يكون في الحقيقة جمعاً للمعلومات.

وهنا يجب أن نفهم شيئاً مهماً.

ليس المطلوب أن نشك في الجميع.

ولا أن نحول بيوتنا وعلاقاتنا إلى ساحات خوف.

فالحياة من دون ثقة تصبح قاسية، والإنسان لا يستطيع أن يعيش وهو ينظر إلى كل وجه حوله باعتباره عدواً محتملًا.

لكن الحكمة أيضاً ألا تكون الثقة عمياء.

هناك فرق كبير بين حسن الظن وبين تسليم الإنسان نفسه بالكامل.

ليس كل من اقترب عرفنا.

وليس كل من عرفنا أحبنا.

وليس كل من ابتسم لنا تمنى لنا الخير.

أحياناً تكشف الأيام ما لم تكشفه الكلمات.

موقف صغير يفضح قلباً كاملًا.

نجاحك يكشف البعض.

تعبك يكشف البعض.

اختلاف المصلحة يكشف البعض.

والمواقف التي يتغير فيها ميزان القوة تكشف من كان يحبك فعلًا، ومن كان يحب فقط وجودك بالشكل الذي يناسبه.

ومن أغرب ما نتعلمه مع الوقت أن بعض الناس لا يزعجهم أن تكون بخير، بل يزعجهم أن تكون أفضل منهم.

لا يكرهونك لأنك أسأت إليهم، بل لأن وجودك يذكرهم بما ينقصهم.

وهؤلاء لا يحتاجون دائماً إلى حرب معلنة.

يكفيهم أن يقللوا منك أمام الآخرين.

أن يشوهوا كلمة قلتها.

أن ينقلوا حديثاً ناقصاً.

أن يضعوا الشك في مكان الثقة.

أن يبتسموا لك في الصباح، ثم يتركون خلفك كلاماً لا يشبه تلك الابتسامة.

وهذا النوع من الأذى أخطر لأنه هادئ.

لا يصنع ضجيجاً.

لكنه يعمل ببطء.

كالماء الذي يتسرب إلى جدار دون أن نراه، حتى يأتي يوم نكتشف فيه أن الشق كان يكبر أمامنا طوال الوقت.

وربما لهذا يجب ألا نحكم على الناس بالكلمات وحدها.

الكلمات سهلة.

والوعود أسهل.

أما المواقف فهي التي تكشف الحقيقة.

من يفرح لنجاحك دون أن يصغر منك.

من يحفظ سرك عندما يختلف معك.

من يدافع عنك في غيابك كما يبتسم لك في حضورك.

من لا يستخدم ضعفك سلاحاً حين يغضب.

هذا هو الإنسان الذي يستحق الثقة.

أما الذي يحتاج إلى أسرارك حتى يشعر بالقوة، أو إلى سقوطك حتى يشعر أنه ارتفع، فمهما لبس من أقنعة المحبة سيكشفه الزمن.

لذلك ليست الحكمة أن نخاف من الجميع.

الحكمة أن نتعلم متى نفتح الباب، ولمن.

ومتى نتحدث، وكم نقول.

ومتى نفهم أن القرب لا يعني الأمان دائماً.

فليس كل عدو يقف أمامك.

بعض الأعداء يقفون بجوارك.

وربما يأكلون معك من الطبق نفسه.

ولهذا فإن العدو الخارجي قد نخافه، لكن العدو الذي يسكن بيننا هو الذي يجب أن نفهمه.

لأن من يأتيك من الخارج يحتاج أن يكسر بابك.

أما من يعيش في الداخل…

فقد يكون الباب مفتوحاً له منذ البداية.

  • Related Posts

    حين أصبحت العربية لغة أجنبية في أرضها

    كتبت : حنان المطوع تخيلوا معي لغة يعيش بها الناس، يتحدثون بها في بيوتهم، يكتبون بها، يتعلمونها، ويحفظون بها حكاياتهم وأشعارهم وأسماء أجدادهم. ثم يأتي يوم يقال لهم فيه: هذه…

    Read more

    Continue reading
    حين يزعجهم نجاحك

    كتبت : حنان المطوع مررت في حياتي بمواقف كثيرة جعلتني أفهم أن بعض الناس لا يحاولون التقليل منك لأنك أقل منهم، بل أحياناً لأن نجاحك يزعجهم. في البداية كنت أبحث…

    Read more

    Continue reading

    You Missed

    حين أصبحت العربية لغة أجنبية في أرضها

    حين أصبحت العربية لغة أجنبية في أرضها

    العدو الذي يسكن بيننا

    العدو الذي يسكن بيننا

    حين يزعجهم نجاحك

    حين يزعجهم نجاحك

    تألق لافت للاعبي المنتخب في تصفيات بطولة هليوبوليس المفتوحة لكرة السرعة.

    تألق لافت للاعبي المنتخب في تصفيات بطولة هليوبوليس المفتوحة لكرة السرعة.

    الست لما… خرجت من السينما بفكرة لم أدخل بها.

    الست لما… خرجت من السينما بفكرة لم أدخل بها.

    لماذا أصبح الإنسان يخاف أن يبقى وحده مع أفكاره؟

    لماذا أصبح الإنسان يخاف أن يبقى وحده مع أفكاره؟