الهلهولة… صوت الفرح الذي عبر آلاف السنين

كتبت : حنان المطوع

في كل عرس تقريباً هناك لحظة لا تحتاج إلى موسيقى ولا إلى كلمات.

فجأة تنطلق (زغرودة، هلهولة، زغروطة، يويو )من بين النساء، فتتبعها أخرى، وكأن الفرح وجد صوته الخاص.

سمعناها منذ طفولتنا، واعتدنا عليها حتى أصبحنا لا نسأل من أين جاءت، ولا من أول من أطلق هذا الصوت الغريب الجميل الذي لا يحمل كلمة واضحة، ومع ذلك يفهمه الجميع.

لكنني شاهدت مؤخراً مقطعاً أعادني إلى هذا السؤال بطريقة مختلفة.

كان يتحدث عن الهلهولة ويقول إن جذورها تعود إلى آلاف السنين، وإن أصواتاً شبيهة بها كانت تطلق في بلاد الرافدين القديمة، في سومر وأكد وبابل، وترتبط بالمعابد والملوك والاحتفالات.

توقفت عند المعلومة.

هل يعقل أن الهلهولة التي نسمعها اليوم في أعراسنا تحمل في صوتها شيئًا وصل إلينا من عالم عاش قبل آلاف السنين؟

بدأت أبحث.

ووجدت أن الحكاية أجمل من أن نختصرها في رواية واحدة.

ففي نصوص بلاد الرافدين القديمة تظهر كلمة أكادية هي «alālu»، وترتبط بالنداء والابتهاج والغناء والاحتفال. كما عرف المجتمع السومري والأكادي تقاليد صوتية متنوعة داخل الحياة الدينية والاجتماعية، وكان الغناء والإنشاد والنداءات الجماعية جزءاً من بعض الطقوس والمناسبات.

أي أن الإنسان في تلك الحضارات القديمة لم يكن يستخدم صوته للكلام فقط.

كان الصوت جزءاً من التعبير الجماعي؛ يرفع في الطقوس والعبادة والاحتفالات، ويستخدم لإظهار الفرح، كما عرفت تلك المجتمعات أصواتاً وأناشيد أخرى للحزن والرثاء.

وكان للنساء حضور واضح في هذا العالم الصوتي، سواء في بعض الوظائف الدينية أو في الغناء والندب والاحتفال.

وهنا تبدأ المنطقة التي يختلط فيها التاريخ بالحكاية الشعبية.

تقول رواية منتشرة إن الكاهنات السومريات كن أول من أطلق الهلهولة قبل نحو خمسة آلاف سنة، وإنها كانت ترنيمة مقدسة تطلق في المعابد وللملوك، ثم خرج هذا الصوت مع الزمن من المعبد إلى الحياة العامة حتى أصبح صوتاً للفرح.

إنها حكاية جميلة جداً، لكن البحث التاريخي لا يسمح لنا بأن نقول إنها حدثت بهذه التفاصيل تماماً.

لا يوجد حتى الآن، فيما وقفت عليه، دليل يجعلنا نقول بثقة إن امرأة سومرية بعينها أطلقت «أول زغرودة في التاريخ»، أو إن الكاهنات هن من اخترعن الزغرودة التي نعرفها اليوم.

لكن ما نستطيع قوله أكثر اطمئناناً هو أن بلاد الرافدين عرفت منذ آلاف السنين نداءات صوتية للابتهاج والاحتفال، وأن بعض الأصوات والإنشاد كانت جزءاً من الطقوس والعبادة، وأن هناك كلمة قديمة مثل «alālu» مرتبطة بهذا العالم من النداءات والفرح.

ومن هنا يصبح السؤال أجمل من الإجابة نفسها.

هل الهلهولة التي وصلت إلينا اليوم حفيدة بعيدة لتلك الأصوات القديمة؟

ربما.

لكن آلاف السنين التي تفصل بيننا تجعل إثبات خط متصل بينها وبين زغرودة أعراسنا أمراً صعباً.

ومع ذلك، هناك شيء لم يتغير.

الإنسان عندما يعجز عن احتواء فرحه يبحث عن صوت أكبر من الكلمات.

ومع مرور الزمن خرجت أصوات الفرح من ساحات الاحتفال القديمة إلى البيوت والأعراس والمناسبات، وأصبحت الزغرودة جزءاً من ذاكرة شعوب كثيرة.

والأجمل أنها لم تصل إلينا بنسخة واحدة.

في الخليج لها نبرتها، وفي مصر لها طريقتها، وفي بلاد الشام تسمعها بصورة مختلفة، وفي المغرب العربي تتغير الإيقاعات والأصوات، لكن الرسالة تبقى واحدة.

هناك فرح هنا.

وربما لهذا بقيت الهلهولة كل هذه القرون بينما اختفت عادات كثيرة غيرها.

لأنها لم تكن بحاجة إلى آلة موسيقية، ولا إلى لغة يفهمها الآخرون، ولا حتى إلى كلمات.

يكفي أن تمتلئ الصدور بالفرح… فيجد الفرح طريقه إلى الصوت.

وبعد أن شاهدت ذلك الفيديو، لم تعد الهلهولة بالنسبة لي مجرد صوت تطلقه النساء في الأعراس.

أصبحت أسمع خلفها سؤالًا عمره آلاف السنين.

كم من الأشياء التي نفعلها اليوم ببساطة، ورثناها عن أناس رحلوا منذ زمن بعيد؟

وكم من التاريخ يعيش بيننا كل يوم…

ونحن لا نعرف؟

  • Related Posts

    دعاء وعل تستعيد حضورها الفني بـ«عالدلعونا» بعد أزمتها الصحية

    تعود الفنانة الأردنية دعاء وعل إلى المشهد الفني من جديد، حاملةً معها مشاعر الحب والحنين في أغنيتها الجديدة «عالدلعونا»، وذلك بعد فترة من الغياب فرضتها وعكة صحية تعرّضت خلالها لغيبوبة،…

    Read more

    Continue reading
    جبر الخواطر : عباده خفيه لا تحتاج سجادة بل قلباً رحيماً ولساناً ليناً

    كتبت : حنان المطوع ليست كل العبادات تؤدى في صمت المساجد، ولا كل القربات تحتاج هيئةً معلنة… هناك عبادات خفية، تمضي بين الناس بهدوء، لا يلتفت لها الكثيرون، لكنها عند…

    Read more

    Continue reading

    You Missed

    دعاء وعل تستعيد حضورها الفني بـ«عالدلعونا» بعد أزمتها الصحية

    دعاء وعل تستعيد حضورها الفني بـ«عالدلعونا» بعد أزمتها الصحية

    جبر الخواطر : عباده خفيه لا تحتاج سجادة بل قلباً رحيماً ولساناً ليناً

    جبر الخواطر : عباده خفيه لا تحتاج سجادة بل قلباً رحيماً ولساناً ليناً

    من مسقط إلى ويندسور… حين يتحدث التاريخ بلغة الملوك

    من مسقط إلى ويندسور… حين يتحدث التاريخ بلغة الملوك

    قرعة نارية لكأس مصر 2026-2027.. الأهلي والزمالك على طريق المنافسة وبيراميدز يسعى للحفاظ على اللقب

    قرعة نارية لكأس مصر 2026-2027.. الأهلي والزمالك على طريق المنافسة وبيراميدز يسعى للحفاظ على اللقب

    «مياه القاهرة» تقود تحالفًا مجتمعيًا لترسيخ ثقافة ترشيد الاستهلاك للمياه

    «مياه القاهرة» تقود تحالفًا مجتمعيًا لترسيخ ثقافة ترشيد الاستهلاك للمياه

    أبو قرن الكبير… حين يصبح الحب نافذة في جذع شجرة

    أبو قرن الكبير… حين يصبح الحب نافذة في جذع شجرة