كتبت : حنان المطوع

هناك أيام تمر بنا كأنها عابرة، لا نمنحها وقتها الكافي، ثم تمضي السنوات ونكتشف أنها لم تكن عابرة ابدا. كانت تخبئ لنا شيئا سيبقى معنا طويلا، ربما كلمة قيلت في وقتها، أو ضحكة ملأت المكان، أو وجوه كانت تجتمع حولنا دون أن ندرك أن الأيام ستفرقنا يوما.
الغريب في الذاكرة أنها لا تحتفظ دائما بالأحداث الكبيرة. أحيانا تختار تفاصيل صغيرة لا نلتفت إليها حين تحدث، لكنها تصبح بعد سنوات أكثر الأشياء قربا إلى القلب. مقعد اعتدنا الجلوس عليه، نافذة كنا نطل منها كل صباح، رائحة طعام كانت تملأ البيت، صوت مفتاح يدور في الباب، أو كوب قهوة كان يجمعنا بمن نحب.
بعض الأماكن لا تبقى أماكن فقط. تتحول إلى ذاكرة، وكلما مررنا بها شعرت أرواحنا بشيء لا نستطيع تفسيره. كأن المكان ما زال يحتفظ بخطواتنا القديمة، وبالأحاديث التي قيلت فيه، وبضحكات لم يعد أصحابها يجتمعون كما كانوا.
وللأصوات حكاية أخرى. هناك أصوات لا تنساها الروح، حتى لو غابت الوجوه. صوت أم تنادي، أب يسأل، صديق يضحك، أو شخص رحل وبقي صوته في أعماقنا أكثر حضورا من كثير من الأصوات التي نسمعها كل يوم. وربما لهذا السبب لا يكون الغياب دائما غيابا كاملا؛ فبعض من نحبهم يرحلون عن أعيننا، لكنهم يستمرون في تفاصيل حياتنا.
وأحيانا تدهشنا صورة قديمة، فنقف أمامها طويلا. لا نرى فيها أشخاصا فقط، بل نرى أنفسنا كما كنا، ونرى أياما لم نكن نعرف أنها ثمينة إلى هذا الحد. نتذكر كيف كنا نضحك دون خوف من الغد، وكيف كانت بعض الأشياء تبدو عادية جدا، ثم اكتشفنا بعد فقدانها أنها كانت أجمل ما في حياتنا.
ربما نحن لا نشتاق إلى الأيام نفسها بقدر ما نشتاق إلى أنفسنا كما كنا فيها، إلى قلوبنا حين كانت أخف، وإلى أرواحنا حين كانت أكثر بساطة، وإلى أولئك الذين كانوا يملؤون أيامنا حضورا ومحبة.
ومع ذلك، ليست كل ذكرى حزينة. هناك ذكريات تأتي مثل نافذة يدخل منها الضوء. تجعلنا نبتسم رغم البعد، ونشكر الحياة لأنها منحتنا لحظات جميلة عشناها ذات يوم. فليس كل ما مضى يجب أن يؤلمنا؛ بعض الماضي هدية، وبعضه عزاء، وبعضه دليل على أننا عشنا أشياء تستحق أن تبقى.
لهذا أحب أن أصدق أن الأيام الجميلة لا تنتهي تماما. ربما تغادر التقويم، لكنها لا تغادر القلب. تبقى فينا بطريقة مختلفة، تظهر فجأة حين نشم رائحة تشبه بيتا قديما، أو نسمع أغنية كانت ترافق مرحلة من حياتنا، أو نمر من شارع لم نزره منذ سنوات.
نحن نمضي إلى الأمام، لكن جزءا منا يظل هناك… في مكان ما من الماضي، يحتفظ بأيام لم نكن نعرف أنها ستصبح يوما من أثمن ما نملك.
فبعض الأيام تنتهي حين تغيب شمسها، وبعضها لا ينتهي ابدا… لأنه اختار أن يسكن فينا.






