كتب : حنان المطوع

بعد أن تحدثنا في الحلقة السابقة عن صفاء الذهن وأهمية الراحة في تقوية الذاكرة، نصل اليوم إلى جانب آخر من رؤية ابن سينا للإنسان… العلاقة بين ما يأكله الجسد وما ينعكس على قوة العقل.
ففي كتابه “القانون في الطب”، لم ينظر ابن سينا إلى الغذاء باعتباره وسيلة لإشباع الجسد فقط، بل رآه عنصرًا مؤثرًا في صحة الإنسان كلها، لأن سلامة البدن تساعد على صفاء القوى العقلية وقدرتها على العمل.
لقد كان يؤمن بأن العقل لا يعيش منفصلًا عن الجسد، فحين يكون البدن في حالة اعتدال، تكون قوى الإنسان أكثر قدرة على الإدراك والتفكير والحفظ. أما الإفراط أو الإهمال في الطعام فقد يؤثر في نشاط الإنسان وصفاء ذهنه.
وتحدث ابن سينا عن أهمية الاعتدال في الطعام، وعن اختيار ما يناسب طبيعة الإنسان وحالته، لأن الغذاء عنده جزء من نظام متكامل يحافظ على توازن الجسد والنفس.
واليوم تكشف الدراسات الحديثة أن بعض العناصر الغذائية لها دور في دعم وظائف الدماغ، وأن صحة الجسم ترتبط بشكل كبير بقدرة الإنسان على التركيز والتعلم وتكوين الذكريات.
لكن رؤية ابن سينا لم تكن قائمة على نوع واحد من الطعام أو وصفة سحرية للذاكرة، بل كانت قائمة على مبدأ أعمق… وهو أن العقل القوي يحتاج إلى جسد معتدل وحياة متوازنة.
فكما يحتاج الكتاب إلى صفحات سليمة ليحمل الكلمات، يحتاج العقل إلى بيئة صحية ليحفظ المعرفة ويبدع فيها.
وفي الحلقات القادمة سنقترب أكثر من جانب إنساني مهم في عالم الذاكرة… كيف ترتبط المشاعر بالذكريات؟ ولماذا تبقى بعض اللحظات محفورة في أعماقنا مهما مر الزمن؟






