كتبت : حنان المطوع

أحيانًا لا تحتاج الأغنية إلى شرح، فهي تعرف طريقها إلى القلب منذ اللحظة الأولى. نسمعها فنصمت، ونعيدها مرة بعد أخرى، ليس لأن لحنها جميل فحسب، بل لأن فيها شيئًا يشبهنا، شيئًا يعبر عن مشاعر عجزنا يومًا عن وصفها. ومن بين تلك الأعمال التي بقيت حية في الذاكرة، تبرز الأغنية العراقية “عبرت الشط على مودك وخليتك على راسي”، التي تجاوزت حدود الفن لتصبح عند كثيرين حكاية إنسانية تختصر معنى التضحية والوفاء والألم.
ومن بين هذه الأعمال الخالدة، تبقى الأغنية العراقية: “عبرت الشط على مودك وخليتك على راسي”، واحدة من أكثر الأغاني التي لامست وجدان الناس. فمنذ أن صدحت بها الحنجرة العراقية، وهي تترك أثرًا لا ينسى في كل من يسمعها.
وقد ارتبطت هذه الأغنية بقصة تداولها الناس على مر السنين، تقول إن أمًا عراقية حملت طفلها فوق رأسها وهي تعبر النهر في وقت الفيضان، تخشى عليه من الغرق أكثر مما تخشى على نفسها. كانت تغوص في الماء وتقاوم التيار، لكنها لم تسمح للماء أن يمس طفلها، حتى وصلت به إلى بر الأمان. ثم أفنت سنوات عمرها في تربيته، حتى كبر واشتد عوده، لكنه في النهاية ابتعد عنها، وقيل إنه أودعها دارًا للمسنين استجابة لرغبة زوجته.
قد تكون هذه القصة حقيقية، وقد تكون مجرد رواية شعبية تناقلها الناس، لكن الحقيقة التي لا يختلف عليها أحد هي أن كلمات الأغنية استطاعت أن تمنحها حياة جديدة، حتى أصبح كل من يسمعها يرى فيها قصة مختلفة، لكنها تنتهي بالشعور نفسه… شعور الإنسان الذي أعطى كل شيء، ثم اكتشف أن الوفاء ليس دائمًا كما توقع.
ولعل سر جمال هذه الأغنية أنها لا تفرض عليك معنى واحدًا. فقد يراها عاشق رسالة عتاب إلى من أحب، وقد تراها أم تختصر عمرًا من التضحية، وقد يسمعها آخر على أنها حكاية كل إنسان قدّم من قلبه أكثر مما أخذ.
الأعمال العظيمة لا تُقاس بعدد السنوات التي مرت عليها، بل بقدرتها على أن تعيش في وجدان الناس جيلاً بعد جيل. وهذه الأغنية واحدة من تلك الأعمال التي كلما مرت السنوات، ازداد بريقها، لأنها لا تتحدث عن زمن معين، بل عن مشاعر لا يغيرها الزمن.
وهنا نقول… ليست كل الأغاني تُكتب لتُغنى، فبعضها يُكتب ليحكي عمرًا كاملًا في بضع كلمات، ويترك في القلب أثرًا لا يمحوه الزمن






