المآذن الشاهقة وروح إسطنبول في القاهره.

كتبت : حنان المطوع .

يمر كثيرون يوميا من شارع صلاح سالم في العباسية، تسرقهم السرعة، ويشغلهم الزحام، وربما يرفع أحدهم عينيه لثوان نحو مآذن شاهقة تعانق السماء ثم يكمل طريقه دون أن يعرف أنه يمر أمام واحدة من أجمل التحف المعمارية الحديثة في القاهرة.

ذلك البناء الأبيض المهيب هو مسجد الرحمن الرحيم في العباسية، تحفة معمارية حديثة اختارت أن تستعيد روح العمارة العثمانية في قلب القاهرة المعاصرة. أربع مآذن شاهقة ترتفع بثبات، وهو عدد لم يكن قديما يمنح إلا للمساجد الكبرى ذات المكانة العالية في الدولة العثمانية، وكأن المصمم أراد أن يمنح هذا المسجد هيبة المساجد السلطانية رغم حداثة عهده.

القبة المركزية الضخمة التي تتوسط البناء ليست مجرد عنصر جمالي، بل هي امتداد لمدرسة معمارية عريقة تأثرت عبر القرون بقبة آيا صوفيا في إسطنبول، ذلك الصرح الذي بني في القرن السادس الميلادي ككاتدرائية بيزنطية قبل أن يتحول إلى مسجد ثم إلى متحف ثم يعود مسجداً مرة أخرى. صحيح أن مسجد الرحمن الرحيم ليس نسخة من آيا صوفيا، لكنه يحمل الروح نفسها؛ روح القبة المهيبة التي تمنح الداخل احساساً بالرهبة والسكينة في آنٍ واحد.

ما قد لا يعرفه كثير من أهل الحي أن موقع المسجد المرتفع نسبياً جعله يبدو من بعيد وكأنه يطفو فوق المدينة، وحين يصور من الجو يظهر النيل خلفه في مشهد تجمع بين الماء والحجر والسماء في لوحة واحدة. كأن القاهرة، وسط صخبها وضجيجها، أرادت أن تقول إنها ما زالت قادرة على إنتاج الجمال، وأن العمارة الإسلامية لم تدفن في كتب التاريخ.

المسجد حديث البناء مقارنة بآثار القاهرة العتيقة، لكنه يحمل رسالة واضحة: أن الهوية يمكن أن تصاغ من جديد دون أن تقطع جذورها. هو ليس مجرد مكان للصلاة، بل علامة بصرية أصبحت جزءاً من أفق العباسية، وشاهداً على أن المدن لا تعيش فقط بناطحات السحاب، بل تعيش أيضاً بما تمنحه للروح من سكينة.

وربما أجمل ما في الحكاية أن كثيراً ممن يسكنون حوله لم يتوقفوا لحظة ليتأملوا أن بين أيديهم معلماً يجمع بين روح إسطنبول القديمة وقلب القاهرة الحديثة… وأنهم يمرون كل يوم أمام قصة معمارية تستحق أن تروى.

ومع كل خطوة يخطوها المارون في شارع صلاح سالم، يبقى المسجد شاهداً صامتاً على قدرة القاهرة على المزج بين التاريخ والحداثة، بين صخب المدينة وسكينة الروح. ومن يرفع عينيه ليطل على مآذنه الشاهقة، سيكتشف أن الجمال الحقيقي ليس في المباني فقط، بل في القدرة على أن تمنح المكان معنى وراحة للنفس، وأن تروي قصة تتجاوز الزمان والمكان.

  • Related Posts

    حين يزعجهم نجاحك

    كتبت : حنان المطوع مررت في حياتي بمواقف كثيرة جعلتني أفهم أن بعض الناس لا يحاولون التقليل منك لأنك أقل منهم، بل أحياناً لأن نجاحك يزعجهم. في البداية كنت أبحث…

    Read more

    Continue reading
    تألق لافت للاعبي المنتخب في تصفيات بطولة هليوبوليس المفتوحة لكرة السرعة.

    كتب : نبيل امام بعد مضي يومين من المباريات المتتالية، وضح سيطرة لاعبي منتخب مصر لكرة السرعة وحفاظهم علي ترتيبهم من خلال تحقيق انتصارات متتابعة في منافسات فردي السيدات و…

    Read more

    Continue reading

    You Missed

    حين يزعجهم نجاحك

    حين يزعجهم نجاحك

    تألق لافت للاعبي المنتخب في تصفيات بطولة هليوبوليس المفتوحة لكرة السرعة.

    تألق لافت للاعبي المنتخب في تصفيات بطولة هليوبوليس المفتوحة لكرة السرعة.

    الست لما… خرجت من السينما بفكرة لم أدخل بها.

    الست لما… خرجت من السينما بفكرة لم أدخل بها.

    لماذا أصبح الإنسان يخاف أن يبقى وحده مع أفكاره؟

    لماذا أصبح الإنسان يخاف أن يبقى وحده مع أفكاره؟

    «إنت ودماغك».. الكوميديا تلتقي بالمسرح على خشبة الهوسابير اليوم.

    «إنت ودماغك».. الكوميديا تلتقي بالمسرح على خشبة الهوسابير اليوم.

    المعركة الصامتة داخل الإنسان

    المعركة الصامتة داخل الإنسان