كيف عرف الإنسان المسافات في زمن النبي ﷺ قبل الخرائط والأجهزة؟

كتبت : حنان المطوع

لم تكن المسافات في زمن النبي ﷺ أرقاما تظهر على شاشة، ولم يكن المسافر يحمل جهازا يخبره كم قطع من الطريق وكم بقي له حتى يصل. كانت الأرض في ذلك الزمن تقرأ بطريقة مختلفة، وكان الإنسان يعرف المسافة من خلال خطواته، ومن سرعة دابته، ومن عدد الأيام التي يمضيها في رحلته.لم تكن المسافة مجرد رقم، بل كانت تجربة يعيشها الإنسان بكل تفاصيلها. كانت تعني تعب الطريق، وحرارة الشمس، وحاجة المسافر إلى الماء والراحة، وكانت تعني أن الإنسان ابتعد عن مكان إقامته ودخل في حال جديدة تحتاج إلى التيسير والرخصة.كان العرب قبل الإسلام وفي زمن النبي ﷺ يملكون طرقا دقيقة لمعرفة المسافات تناسب حياتهم، فكانوا يستخدمون وحدات مثل الميل والفرسخ والبريد، كما كانوا يعتمدون على مراحل السفر. فالميل كان وحدة معروفة عندهم، والفرسخ يساوي ثلاثة أميال، والبريد يتكون من أربعة فراسخ، وكانت هذه المقاييس تساعدهم على معرفة المسافات بين الأماكن والبلدان.لكن الإنسان في ذلك العصر لم يكن يفكر بالطريقة التي نفكر بها اليوم. لم يكن يقول: بقي أمامي مئة كيلومتر، بل كان يقول: هذه مسيرة يوم، أو مسيرة ليلة، أو مرحلة من الطريق. فالزمن كان هو اللغة التي يفهم بها المسافة.كانت القوافل التي تسافر بين مكة والشام تعرف طريقها من خلال الخبرة الطويلة. كانوا يعرفون مواقع الآبار، والجبال، والوديان، ومنازل النزول، وعدد المراحل التي يحتاجها المسافر حتى يصل. وكان الدليل الذي يعرف الطريق بمنزلة الخريطة الحية التي تحفظ تفاصيل الصحراء.ومن هذا الفهم جاء التيسير في أحكام السفر. فعندما شرع الله للمسافر القصر والجمع لم يكن الأمر مرتبطا بمجرد رقم جامد فقط، بل بحقيقة السفر وما يحمله من مشقة وتغير في حال الإنسان. فالمسافر الذي يترك موطنه ويقطع مسافة معتبرة خارج بلده يدخل في حالة تختلف عن حال المقيم، فجاءت الرخصة رحمة وتخفيفا.وكان الصحابة يعرفون معنى السفر بلغتهم وحياتهم اليومية، فهم لم يكونوا يحتاجون إلى أجهزة لقياس المسافة، لأن السفر عندهم كان واضحا من خلال الرحلة نفسها، والخروج من حدود المكان، وقطع الطريق الذي يحتاج إلى جهد ووقت.ولهذا اختلف العلماء بعد ذلك في تحويل مقاييس ذلك الزمن إلى وحداتنا الحديثة، لأن الميل والبريد والمرحلة لم تكن دائما تحمل نفس المقدار في كل العصور، فحاول العلماء تقديرها بحسب ما وصل إليهم من الروايات والقياسات القديمة.إن جمال ذلك العصر أنه كان يجعل الإنسان قريبا من الأرض، يقرأ الطريق بعينيه، ويحفظ المسافات بذاكرته، ويعرف مواضع النجوم والجبال والماء. أما نحن اليوم فنقيس الطريق بالأرقام والشاشات، لكن الإنسان في ذلك الزمن كان يحمل خريطة العالم في قلبه وذاكرته.

  • Related Posts

    اقرأ لتعيش أكثر من حياة

    كتبت : حنان المطوع اقرأ لتعيش أكثر من حياة… هذه ليست مجرد كلمات على صفحة، بل مفتاح لعوالم لا تنتهي. كل كتاب هو بوابة إلى حياة أخرى، تجربة جديدة، شعور…

    Read more

    Continue reading
    بين الظاهر والباطن: حين تختبر الحياة صبرنا وحكمتنا

    كتبت : حنان المطوع في بعض اللحظات، تبدو الأمور بسيطة، كأنها مجرد تفاصيل عابرة. لكن في باطن كل موقف تختبئ اختبارات حقيقية لقيمنا وأخلاقنا. احيانا نرى المكاسب الصغيرة، وننسى أن…

    Read more

    Continue reading

    You Missed

    كيف عرف الإنسان المسافات في زمن النبي ﷺ قبل الخرائط والأجهزة؟

    كيف عرف الإنسان المسافات في زمن النبي ﷺ قبل الخرائط والأجهزة؟

    اقرأ لتعيش أكثر من حياة

    اقرأ لتعيش أكثر من حياة

    بين الظاهر والباطن: حين تختبر الحياة صبرنا وحكمتنا

    بين الظاهر والباطن: حين تختبر الحياة صبرنا وحكمتنا

    النملة التي أغرقها العسل

    النملة التي أغرقها العسل

    قبل 13 عامًا، كان لويس دي لا فوينتي عاطلًا عن العمل.

    قبل 13 عامًا، كان لويس دي لا فوينتي عاطلًا عن العمل.

    جائزة أفضل لاعب في المونديال .