
كتبت : حنان المطوع.
ليس الوعي ترفاً فكرياً، ولا زينة عقلية نتباهى بها أمام الآخرين،
الوعي تحول داخلي صامت، يشبه انزياح الروح قليلًا عن ضيقها القديم،
يشبه أن ترى العالم للمرة الأولى دون حواف حادة.
كلما ازداد الإنسان وعياً، بدأ يفهم أن القسوة ليست قوة،
وأن الصوت العالي غالباً يخفي خوفاً،
وأن الأذى ليس إلا لغة بدائية لمن لم يتعلم كيف يعبر عن ألمه.
الإنسان العميق لا يؤذي…
لأنه حين نزل إلى أعماقه، اكتشف كم هو هش،
وكم أن ضربة واحدة كفيلة بترك شرخ لا يرى لكنه يبقى.
ومن يعي هشاشته، يحترم هشاشة الآخرين،
ومن يصادق ضعفه، لا يسخر من ضعف أحد.
الوعي يجعلنا أبطأ قليلًا…
نحن لا نصدر الأحكام بسرعة،
ولا نندفع إلى الإدانة،
نصغي أكثر مما نتكلم،
ونفكر مرتين قبل أن نترك أثراً قد لا نستطيع محوه.
اللطف، في جوهره، ليس تصرفاً عابراً،
إنه نتيجة فهم.
فهم أن كل إنسان نقابله يخوض معركة لا نراها،
وأن الابتسامة قد تكون آخر ما يملكه،
وأن كلمة قاسية قد تسقطه أكثر مما نتصور.
أما الشر، فغالباً لا يأتي متشحاً بالسواد كما في الحكايات،
يأتي متخفياً في الجهل:
جهل بالمشاعر،
جهل بالاختلاف،
جهل بأن الآخر ليس نسخة منا، ولا مطالباً بأن يكون كذلك.
الجاهل يؤذي لأنه لا يعرف،
لا يعرف كيف يحتوي غضبه،
ولا كيف يترجم ألمه،
ولا كيف يقف لحظة ليرى ما الذي يفعله بالآخرين وبنفسه.
والوعي لا يجعلنا معصومين من الخطأ،
لكنه يجعلنا مسؤولين عنه.
نعتذر عندما نخطئ،
ونراجع أنفسنا بدل أن نبحث عن شماعات،
ونفهم أن النضج ليس في ألا نؤذي،
بل في ألا نصر على الأذى حين نكتشفه.
في عالم يزدحم بالضجيج،
يصبح الوعي فعل مقاومة،
ويصبح اللطف شجاعة نادرة،
ويصبح الإنسان الواعي نوراً خافتاً
لا يعمي العيون،
لكنه يدل التائهين.
ربما لا نستطيع أن نغير العالم دفعة واحدة،
لكننا نستطيع أن نمر فيه دون أن نكسره،
أن نترك القلوب كما وجدناها — أو أهدأ قليلًا،
وأن نكون دليلًا صامتاً على أن العمق
لا يصنع وحوشاً…
بل يصنع بشراً أكثر إنسانية.






